أنا طائرٌ كل الأشجار أوطاني


 

في السبت أصحو منتشياً على زقزقات العصافير، أنظر في مرآتيأجدني بتقاسيم سمراء، مشاعري تتقن اللكنة الجزائرية بطلاقة، أشعر وكأنني كنتُ هناكَ واحد من أولئك الذين حملوا السلاح في ثورة التحرير؛ أنظرُ في التقويمِ الميلادي لأتأكدَ فأقرأ التاريخ 1/11/1954 أقف أحملُ باقة ورد باذخة العطر والألوان فأنثرها على أرواح المليون شهيد.

وفي الأحد أصحو ألقاني أتمطّى على شطي دجلة والفرات. أقوم من فراشي البغدادي أجد بالقرب مني ” استكانة” شاي مخدّر عراقي النكهة والمزاج. ألف الساق على الساق أتركمها يتدليان على أسوار بابل، أهيم على روحي وموسيقى نينوى تتماهي إلى مسامعي وأنطق الاشورية والآكادية والسامرائية.

وما بعد الغروب من ليلة الاثنين بلا حقائب أجدني أمام معبد ” إدفو” أدخل إلى مكتبة الإسكندرية فأقرأ في لفافات البُردى وعلى شغف أعرّج إلى النيل أروي عطش المشتاق بماء النيل عذب المذاق.

وفي فجر الثلاثاء أسافر بروحي إلى الأقصى أنظر في النهر أراني بري فلاح فلسطيني يهذب أغصان الزيتون ويستنشق من برتقال يافا فأقطف من عنب الخليل عنقوداً يملأ سلة القش كلها واستظل تحت عريشة التين الوافرة اشرب الشاي المعتق بالميرمية.

وفي ليلة الأربعاء أصير في اليمن أتجول في حقول البُنِّ، بلقيستقف على الشباك تتأمل في حدائق سبأ تهش بمروحتها المفروشة بدلال وعنج.

وفي الخميس أكون في دمشق فتدوخني أبوابها السبعة، كلماأتعبني المسير رحت إلى عريشة ياسمين أستريح تحتها إلى أن يخدرني عطرها فأنام رصيف في إحدى أزقتها العتيقة

وفي صبيحة الجمعة أسافر إلى لبنان الفينيقية ” بيريتوس” أمشي وسط غابات الصنوبر وأتمرغ بروحي على سهولها أنظر من أعلى التلال وأهبط لكي أسامر حسناوات لبنان.

وفي السبت الحديث، صحوت مفزوعاً حين وجدتني مسجوناً وراءقضبان الهوية المظلمة، أحمل جنسية واحدة، يضربون من حوليالسياج الشاهق، ممنوع عليّ دخول البلاد، وعبور الحدود مالمأحصل منهم على تأشيرة. وعلى مد الأسلاك الشائكة هناك الكثيرمن الحواجز ونقاط التفتيش والخفر، يفتشون كل شيء الجيوب والقلوب والحقائب وحتى دفاتر الذاكرة. يفتشون في حقائب عواطفي ويدققون في أوراق انتمائي ويحتجزون حنيني. أبقى مصلوباً متسمراً في طابور طويل تحت شمس الانتظار. يطلقون علينا مسميات غريبة: أيها الغرباء.. أيها الوافدون، مرات يقولون: أنتم اللاجئون.. أنتم النازحون. والغريب أنهم يتكلمون بلغتي ويحملون نفس ملامحي فلا أدري لماذا يقولون عنا: الغرباء!

عربي أنتَ كما هو مدون في أوراق التاريخ؛ ولكن لكي تشرب شاياًعدنياً عليك أن تموت قتلاً، وأنت تعبر الحدود من بيروت إلى الشاملو اشتهيت أن تجلس في مقهىً دمشقياً في الأزقة القديمة تدخنالنرجيلة وتشرب القهوة بالقرب منك نافورة ماء وعريشة ياسمين،عليك أن تتخطى ألف حاجز وألف نقطة تفتيش تعترض رغبتكجماعات غريبة عنك لا توجد ما بينكما لغة مشتركة ولا عقيدة مشتركة.

بلاد لا تبعد عن بعضها إلا عدد خطوات، مجرد أنها تضع شريطاًعازلاً تصبح دولة أخرى ولكي تدخلها تحتاج إلى تأشيرة ورسومدخول!

كل يوم نجد أنفسنا غرباء أكثر؛ غرباء حتى داخل الوطن الذي نحمل هويته، وفي البلاد الأخرى نسمى بالأجانب؛ وإذا كنت منمواليد غزة وتحمل وثيقة لا يمكنك أن تدخل إلى بلد عربي إلابموافقة وعليك أن تجد من يكفلك من بعد ألف تحقيق وألف مدونة.

“أنا طائرٌ كل الأشجار أوطاني، فراشة كل الزهور وما تحمل منعطور هي مدني. لا أحبُّ أن أكون مؤطراً، بقوقعة ضيقة أعيش داخلبيضة صغيرة، متى نكسر الحدود ما بين البلاد؟ ومتى نمزقالمسميات والتعصب العرقي المقيت؟”

متى ننتهي من التفاخر بالعشيرة ونحرق النعرة القبلية، ونصبحمزيجاً إنسانياً وخليطاً بشرياً، لا أريد الانتماء لحزب بعينه، ولاجماعة ولا فكر يسلبني حرية الطيران في فضاء مفتوح.

“أسهر ليلاً في بيروت، ولي في بغداد قيلولة. أتناول عشائي علىضفاف النيل، وأفطر على رصيف في أروقة دمشق. أغفو على وسادةحب في تونس، وأصحو على نسائم الفجر في المغرب؛ وحده الحب المشاع، والحنين المشاع، والوطن المشاع ولا شيء سواهم يستفز السماء لتمطر وطناً إنسانياً شاسعاً، مثل الموسيقى ومثل الحب لا يعرفان جنسية ولا عرق ولا ديانة”

المقال السابقدبلوماسية الامارات .. هفوتان في اسبوع تؤلم
المقال التالىمراجعات على أزمة التنوير العربي
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد