تجمعهم الصدفة ليلقاهم القدر


 

في ضاحية عتيقة من مدينة باردة يخيم عليها الثلج والضباب في كل شتاء وبيتٍ عكس خارجه، دافيء ٌ وعتيقُ الملامح والطراز، جديدُ البناء والطلاء وعلى طاولة عريضةٍ بنية اللون، ملئت بأطباقِ ما لذَّ و طاب. تذكرهم بأذواق الماضي التي كانت تعدها لهم امهاتهم و كأنها تشعلُ الحنينَ في قلوبهم، لماضٍ ذهب بعيداً وأخذ معه أحلى الذكريات العذبة التي تلاحقهم لأيام الطفولة البريئة أو لمراحل شبابٍ كانت مليئةً بالمرح. يجتمع الاصدقاء سنويا ليحتفلون بالعيد معا.

أصدقاءٌ، و يا لهم من أصدقاء، فلربما لا يتذكرون الصدف التي وضعتهم في إناءٍ واحد، وكيف كان لقائهم الأول، و لكن شرارة إمتنانهم لتلك الصدف لم تنطفئ منذ عقدٍ و أكثر وجعلت بينهم علاقةً جميلةً، لا يخدشها برد الأيام و بعد الأمكنة.
هم أناسُ كانوا بحاجةٍ لصدفةٍ تجمعهم، لتعوضهم وتنسيهم هم الغربة التي يعيشونها يومياً على الرغم من موطنهم البديل اللذي يسكنون تحت راياته الآن. أقول موطناً بديلاً فتسعفني ذاكرتي بما قال الاديب اليوناني اريستوفان ” إن الوطن هو حيث يكون المرء في خير”، و كما أَشعر المتنبي ناشداً:
“شر البلاد بلادٌ لا صديق بها
وشر ما يكسب الإنسان ما يصم”

هم أصحابُ قد فصلت وأحاكت غربتهم طريقهم ونسجت حياتهم بخطوط مدروسة وعلى نهج البلد الذي يسكنون. لم يمض على معرفتهم ببعضهم البعض الوقت الطويل، ورغم لقاءاتهم المعدودة ولكن كما يقال: إن الطيور على اشكالها تقع. لم يكونوا أقلَّ من الطيور صفاءاً بل كحمامِ سلام ٍعلى بعضهم البعض وذلك عبر حنوهم اخاءهم وحرصهم بينهم. فتواصلهم الدائم ولقائهم السنوي هذا بمثابة مناراً و منبراً لوِدِّهم المستمر كالشلال خصوصاً إذا كانت مبنية على أُسسِ المحبة، المودة، الإخلاص، التفاني وإيثار كلّ صديق لصديقه. فالصداقة هي أرقى ما يميز العلاقات الإنسانية بين البشر وأجملها هي تلك التي تبقى عالقة مدى العمر ومهما طالت السنين.
لكل فرد منهم شخصية منفردة، فمنهم الفنان و منهم المثقف و هناك من ملك حس الدعابة العالي الذي يجعلك تضحك فقط من رؤيتك لتضاريس وجهه الضاحك، و على حين غرة تسرقُ مسامعك أوتارُ عودٍ يكاد أن يتكلم من شدة عذوبةِ أرنانه، تنبعُ من تحت أنامل عازفٍ ليأخذ روحك إلى موطنِ الأغاني القديمة العذبة، فإذا هو بصديقٍ آخر.
اما صديقهم الاخر فتجده خزيناً للمعلومات الغنية والتي يخرجها في حينها حتى تؤكد صحة كل ما يقول وعن اي موضوع.

تجدهم كموزائيك متوازنٍ رغم أطيافه، يكملون بعضهم البعض، من دون شوائبٍ على مشاعرهم الإنسانية أو على قلوبهم النقية. و هناك آخرون و أُخريات يكملون آخر تلك المجموعة الرائعة.

يجلسون ويضحكون لساعات طويلة وكأنهم يفرغون كل الشحنات السلبية من دواخلهم طوال العام ليملؤوها عند الرحيل حباً وتفائلاً.
فهم بلا ريبٍ يعونَ أهميةَ المشاعر الإنسانية والتواصل على نمو العقل بشكل سليم ما لها من تأثيرات جذريةٍ إيجابيةٍ و التي بأمكانها تغيير نمط الافكار السلبية في اتخاذ القرارات اليومية. فبعض الأصدقاء و أخصُّ بذلك الحقيقيون المخلصون منهم يسمعون كلام قلبك وَإِنْ عجزت عن نطق الكلام يوما ليكملوه عنك.

يذكر الشاعر منهم أبيات لشاعر جاهلي عن الصداقة والخلان فيقول:
وليس خليلي بالملول ولا الذي
إذا غبت عنه باعني بخليل
ولكن خليلي من يديم وصاله
ويكتم سري عند كل دخيل

ليرد عليه بكل شجن صديقه العازف بعوده ليعود لأيام مضت بأغنية تنشط ذاكرتهم ليدندن فيقول:
(عدنه الترف خطار طولي يا ليلة، شمس وقمر ونجوم حدرك يا شيلة) وهذه اغنية عراقية تراثية يناشد بها اليل ان يطول فقد جاء المحبوب ضيف في بيتهم.

ثم يكمل المثقف منهم فيقول:
علينا الاهتمام بمن نحب ولا نتصرف معهم سوى بحكمة وتأني كي لا نخسرهم ونخسر معهم الايام الجميلة فحتى بالجحيم (على سبيل المثال لا المقياس) يستحسن أن تجد صديقاً يعينك على حرارة جمرها.

في ظل هذه الأمسية المنيرة بشمول الصدق و الصداقة، تتجه الأنظارُ الى الدكتور فيردِفُ بتذكر إحدى المحاضرات التي درسها لطلابه في الجامعة مسبقاً ويقول: وفقا لأبحاث جديدة اصدرتها مجلة العلاقات الشخصية العالمية بأن الصداقة أصبحت ذات أهمية متزايدة للصحة والسعادة خصوصاً عند تقدم الفرد بالسن ويعود ذلك إلى أنّ الصداقة والعلاقات الاجتماعية تحفز الرفاهية الاجتماعية وذلك يقلل الشعور بالوحدة والفراغ وانهم يعتبرون كرصيد التقاعد بنهاية الخدمة وان الارتباط مابين الصحة والسعادة بالعلاقات الاسرية والصديقة قد ترد على الانسان بمردود ساحر من التفائل.

كما تقول الصحيفة بان دراستين اجراها البروفيسور والكاتب ويليام تشوبيك وهو استاذ مساعد في علم النفس في جامعة ميشيغان قد اجريت على اكثر من 27000 الف شخص باكثر من مائة بلد حول العالم.
بأن العلاقات العائلية قد تملك الحب والكره معا وذلك يعتمد على بناء شخصية وصفات كل فرد من العائلة وذلك يعني ان علاقتنا بهم جبرية عن غض النظر عن طبيعة شخصياتهم ان كانت تعجبنا ام لا.
اما علاقة الصداقة تختلف تماما اذ اننا نختار الصديق طبقا لصفاته التي نحبها وتكون قريبة لنا واحيانا نقلدها لمدى حبنا لهم عوضا انك تختار الاوقات التي تريد مقابلتهم بها او مكالمتهم كما لا يجبرك احد على مصاحبتهم.

اما الدراسة الاخرى والتي خصصت لكبار السن فقط والتي اجريت على اكثر من 7500 مسن حول الولايات المتحدة كان مفادها بان وجود الاصدقاء بالعمر المتقدم اصبح واجب ضروريا اكثر من ما هو اختياري خصوصا اصحاب الطفولة والشباب
وكيف لا وهم من صمدت صحبتهم امام الكثير من الصعاب رغم مر السنين ومن الضروري المحافظة عليها اذ ان الرفاق الحقيقيين وبكل بساطة هم من جعلوا حياتك اكثر تفائل واعانوك على صعابها كما انتم معي الآن.

تأتي صديقهم الاديبة والكاتبة وهي تنظر إلى سقف صالة الجلوس حالمة بما تريد قوله، تتحدث بكل رقة تاركة على مسامع أصحابها وَقع كلامها والذي يختتم ما قيل من قبل بأن الصداقات السطحية سرعان ما تتلاشى وتزول كالقش على نهر جار. فالحياة تسري ونحن نمضي قدُماً معها لا نرتكز بمحطة ما ومن سار معنا هذه الرحلة وعلى نفس خطاها استحق منا جميل المشاعر والعرفان ومن رحل باحثاً عن محطات أُخر ، فنترك بأمتعته أجمل الذكريات وان لم تكن حقائبهم محكمة الاغلاق وقد تتبعثر وتذهب مع الريح جميع تلك الذكريات. الاهم من ذلك ان لا نبقى معلقين بمن هم كتلة من القش في حياتنا والاهتمام اكثر بمن يشترون سعادتنا بأغلى الاثمان.

وفي نهاية السهرة يودع الأصحاب بعضهم البعض ليختتم القول صديقهم المرح فيقول.. الرفيق قبل الطريق فهل أجدُ بينكم صديقاً وفياً يوصلني إلى بيتي؟ فلم يجب أحد، ربما من شدة البرد، هنا ضحك الجميع و كأنها ضحكةٌ تترجم جملة ( إلى لقاء آخر يا أعزَّ الأصدقاء في مكانٍ ما و في زمانٍ ما).

لا تعليقات

اترك رد