العنف المدرسي

 

لست ادري لماذا الإنسان ، هذا المخلوق الذي حباه الله العقل والقدرة على كبح جماحالشهوات ،ميال إلى هدم كل ما بناه بني جنسه منذ الوجود ، وهو يعي جيدا بأنه عابر سبيل في هذه الدنيا ولا شيء يستحق هذه المعاناة ،لأنه في الأخير سيبقى ربما ذكرى صالحة سيقتدى بأفعاله ولربما سيدخل التاريخ من بابه الشيطاني ليُنبذ حتى بعد مماته …. من منا لا يعرف هذه الحقيقة ؟الكل يعيها جيدا ،لكن مع الأسف ،الجانب المظلم في هذا المخلوق، لابد له من الإنكسار ليفتح شرخا ينفلت منه شيطانه ليعبث بالأخلاق ، وليشعل نار الفتنة بين بني جنسه …. بالضرب تارة وبالسب أخرى أوبالتخريب أو بنبذ القيم …هو العنف إذن .
هو السلوك الجانح ، هو لحظة يميط فيها الإنسان عن شقه الخبيث المطمور في الأناالدفينة المكلومة من سلوكيات الماضي الغابر أو نتاج تراكمات القهر والاحتقار والحاجة أو جراء التأثير الواضح لمن نعتبرهم القدوة أحيانا: كالأب أو الأم أو هما معا ،وقد يكون شخص خارج السرب كالصديق او الجار … لقد اختلفت المفاهيم وزوايا التعريف بالظاهرة السلوكية، لكن قد يكون من الخطأ الاعتقاد بان الدافع واحد منحصر على فئة دون أخرى ، العنف فينا جميعا وبدون استثناء حتى مع ذواتنا قد نمارس العنف بالإهمال بالجوع او العطش باللا مبالاة بالتمرد على المألوف … العنف شرارة ،شيطان من يوقظها لأنها قد تفضي لإبادة شعب بأكمله .ولنا في التاريخ أدلةجمة .
إذن العنف هو فعل بشع ينم عن عدم النضج السلوكي لدى مرتكبيه كيفما كان سنهم قد يبدو عادي عند الكبار لكن ما يخيف هو السلوك العدواني في الأوساط التلاميذيةوبالخصوص داخل المؤسسات التربوية وهو ما يصطلح عليه بالعنف المدرسي ، إذن ماهو هذا العنف ؟ وما هي مسبباته ؟
العنف هو كل سلوك إرادي هدفه الإيداء والنيل من الآخر المعنف ، قد يكون لفظيا كالقذف والسب ، وقد يكون ماديا كالضرب والجرح والتكسير وإضرام النار … والعنف هنا لا يمكن أن يكون إلا نتيجة محتملة الوقوع كلما تيسرت ظروفه ، قد تكون مباشرة على الشخص او غير مباشرة كأن تقع على أحد أقربائه او اصدقائه او جيرانه او عن بني وطنه وهو سلوك في هذه الحالة غيرة مندفعة لاظهار مدى الارتباط وحب الانتماء بالأخر ….
والعنف المدرسي هو العنف الذي يمارس داخل المؤسسات التربوية : في القسم، في الساحة ،داخل المرافق الصحية ..الخ وقد يقع بين التلاميذ فيما بينهم كما قد يقع بين التلميذ ومدرسه او مدرسته او مع الاطر الادارية للمدرسة .
العنف المدرسي لم يكن سابقا إلا شكل من أشكال المشادات لا تعدو أن تكون مجرد لحظة عابرة يستحضر فيها الجميع أخلاقيات الاحترام والمغزى الحقيقي للتمدرسالذي هو تقويم السلوكات المنحرفة بتدخل جميع الاطراف من تلاميذ واساتذة واباء،لكن ما اصبحنا نعيشه اليوم قد تعدى الخيال لان العنف اصبح فيه فن وتقنيات تتطور من يوم لآخر معتمدين على التقنيات الحديثة من هواتف ذكية وآلات التصوير العالية الجودة وآلات تسجيل الصوت عن بعد كلها تقنيات أُدخلت لتشويه صورة وسمعة الآخر اي المستهدف او الضحية ،وقد زادتها وسائل التواصل الاجتماعي اكثر انتشارا مما اضحى معه من الصعب ان لم نقل المستحيل احتواؤها الا بتدخل الجهات اوالقوات الأمنية الوطنية المختصة … العنف المدرسي اصبح فيه كل شيء ممكن :اسلحة بيضاء ،مخدرات ،اغتصاب وهتك العرض خاصة في محيط المؤسسات الذي اصبح مرتعا وسوقا لبيع واستهلاك كل هذه السموم ….
العنف المدرسي اخطر ما يمكن ان يهدد الأمم لانه يضرب في صلب خلايا المجتمع،في مكوناتها الذين هم رجال المستقبل ….فلم نعد نسمع حاليا الا جرح استاذ اواستاذة وتهديدها بالسلاح الابيض ، او تشويه وجه الفتيات بالسوائل الكيميائية الحارقة … عنف وقسوة بل اشد ….
هذه الظاهرة كان من المفروض التصدي لها قبل حدوثها واستفحالها ، كان لزاما ردعها و الاحاطة بمسبباتها والدوافع الكامنة وراءها ، لأن خطرها اكثر من الاسلحةالنووية لانها الدمار الشامل و كما قال الشاعر: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت … فهاهي تنهار وتنمحي أمام مرأى ومسمع المسؤولين التربويين والمسؤولين الامنيين … إنهم فلذات الأكباد يا عباد الله انقدوا الوضع قبل فوات الأوان …..
أكيد هذه الظاهرة لها مسبباتها يمكن تلخيصها فيما يلي :
– التفكك الأسري.
– غياب الوازع الديني والاخلاقي داخل النواة.
– العنف الممارس داخل الاسرة.
– الفقر والأوضاع المعيشية المزرية .
– الميز العنصري بين الطبقات داخل الفصل الدراسي.
– الإهمال الأسري وعدم متابعتهم لأبنائهم.
– انعدام رجال الأمن داخل المؤسسات وبمحيطها بصفة دائمة .
– المستوى المتدني للمناهج التربوية مما يخلق عدم التوازن وتكافؤ الفرص بين الطبقات الفقيرة والميسورة .
– مشكل الإكتضاض داخل القسم .
– مشكل تطوير المهارات بالنسبة لهيئات التدريس
– انعدام التكوين المستمر.
– الشدة في المعاملة واعتماد مناهج بيداغوجية قديمة لا تساير التطور السريع للعقليات الحديثة.
– ربط النقط بالساعات الإضافية التي يعطيها بعض الأساتذة كدروس خصوصية .
– الفرق الشاسع بين المنتوج العمومي ومنتوج المدارس الخصوصية .
– انعدام الإنصات خاصة من جهة المسؤولين الاداريين في تدبير المشاكل المطروحة والتقيد بالنصوص القانونية التدبيرية للمؤسسة كمرفق فقط .
– الانعدام التام للاطباء والمرافقين النفسانيين للتلاميذ .
– الغياب التام للانشطة التربوية الموازية ( التنشيط المسرحي ، الفني ، الرياضي والابداعي …) .

وتبقى سلسلة من الاكراهات المباشرة وغير المباشرة في تناول الظاهرة ، لكن لا يجب انكار المبادرات المؤخرة التي بدأت تنهجها المؤسسات التعليمية العمومية وإن كانت محتشمة لكن لو ستأخذ الامور بجدية ومسؤولية لابد لها من اعطاءثمارها وهذه الخطوة تتجلى في إحداث خلايا الانصات والوساطة بالمؤسسات التعليمية وكذا مراكز اقليمية للوقاية ومناهضة العنف بالوسط المدرسي والتي تهذف الى ما يلي:
– وضع برنامج عمل اول كل موسم دراسي والسهر على تطبيقه .
– السهر على تضمين القوانين الداخلية للمؤسسات التعليمية لبنود تمنع العنف من اي طرف .
– تنظيم لقاءات موسعة تحسيسية بين المدرسين والتلاميذ واولاياء امورهم .
– وضع اليات للتبليغ على الحالات قبل حدوثها .
– ضمان الحماية الضرورية للمبلغين .
– تعميم القانون الداخلي على جميع ارباب الاسر وتوقيعه من طرفهم .
– اخبار المديرية الاقليمية بجميع النقط السوداء .
– التنسيق مع جميع المتدخلين من سلطات وقوات الامن .
– البحث عن سبل التكفل بالمعنفين لاعادة ادماجهم في المنظومة التربوية .
– وضع قاعدة معطيات للظاهرة .
من خلال ما سبق يمكن تعريف الظاهرة كرد فعل سلوكي سلبي من طرف لايمكن اعتبارهم إلا ضحايا الإهمال وسوء المعاملة والتتبع الناتجين إما عن تقصير في المسؤولية او نتيجة ظروف اقتصادية واجتماعية ، لكن من الواجب احتواؤها ووضع حد لها كظاهرة وإلا ستنخر جسم المجتمع كله … الوطن أمانة وابناؤنا هم ركائز المستقبل فهم اكبر الامانات امام الله كلكم راع وكلكم مسؤولعن رعيته .

لا تعليقات

اترك رد