ما العمل ؟ – ج 2

 

إن الإستبداد السياسي الذي نعيشه اليوم في عالمنا العربي ولد استبدادا وفوضى خلاقة حين يتعلق الأمر بالعلم والتكنولوجيا، فاستقلال العقل يؤدي حتما إلى استقلال الفرد والوطن وتبعيتنا الفكرية هي حتما تبعية سياسية واقتصادية. فحين يصل العقل العربي لمرحلة التقويم والنقد الذاتي آنذاك يمكنه أن يحقق لنا تحررا فكريا أي تحررا عقليا يولد طاقات هائلة للقضاء على كل أنواع الإستبداد.

لأنه ببساطة الإستبداد عمل فكري بدائي غير متحضر في مجال السياسة، والتقييم الفكري هو تحرر فكري في مجال المعرفة. لان الديمقراطية في الواقع هي عملية التحرر الفكري قبل أن تصل إلى مرحلة التحرر في مجال السياسة كآلية وصيرورة إبداع.

إلا أن الواضح في مجتمعنا العربي أننا لا زلنا لا نفرق بين الحرية والتحرر، فالحرية كمفهوم لا تدعم مشروعا واضحا أو تنبئ بتحقيقه فهي لن تستطيع المحافظة على ذاتها طويلا بموجب القوانين التي سنت، وفي مقابل هذا المفهوم غير الجدي للحرية نتعرف على أهمية مفهوم التحرر لأننا بصدد الحديث عن الممكن والواقع والموجود والضروري.

نحن في عالمنا العربي نعيش حركة دائمة لكنها غير مبنية على الخيارات اللازمة وتحمل تبعاتها أيضا، نحن بحاجة إلى أفكار تهدم العوائق الذاتية كاليأس والخوف وكل العوائق الموضوعية كالجهل بالأمور وكل المعتقدات القديمة والرواسب السلبية العالقة في الفكر العربي المعاصر، كل هذا يعبر عن محطة يائسة من تاريخنا الحديث.

فالتحرر هو تلك الحركية المتجددة والإيجابية لتجدد الحياة وقدرتها على التغيير والتواصل عبر التجدد الدائم والتقدم نحو الأفضل، لأن تحقيق العدالة الإجتماعية والمساواة والديمقراطية الحقة هي نتاج خالص للفكر العلمي أي القفز على كل الشوائب العالقة في الأذهان المتحجرة والغير الراغبة في التغيير. فالديمقراطية إذن ليست سوى هذا التحرر الفكري.

لكن كيف السبيل لتحقيق هذا المبتغى؟ لا شك أن المثقف يشكل الحلقة الضائعة في المشروع العربي المعاصر، فمسؤولية المثقف اتجاه مجتمعه وتحديات لحظته التاريخية هي الهم والرسالة التي يجب أن يحملها دوما، فنشر الفكر الحقيقي والوعي الحضاري بدوره مسؤولية حتى يضل هذا الفكر والزاد الثقافي حاضرا في الوعي الجماعي ومتاحا للأجيال لتنهل منه في صياغتها لرؤى التجديد وتستثمره في حركة التغيير وصناعة المستقبل وتحقيق النهضة المنشودة والآتية حتما.

الدروس التي نعيشها الآن يجب أن تحلل وتدرس جيدا لتكون بداية لفهم الواقع وبلورة أفكار استباقية للمستقبل، الحضارات الأخرى ليست في أوج توهجها وحسب المفهوم الخلدوني لكل حضارة نهاية وانحدار. يعترف المفكر الفرنسي إدكار موران بفشل ثورة القرن العشرين ويؤكد أن تاريخ الإنسانية متواصل، أكيد هو تحليل قاسي للمبهورين بما تحقق لكن مظاهر الفشل ظاهرة للعيان: تفاوتات طبقية وحروب ومجاعات وشعارات فارغة….

تراجع مفهوم الحداثة في المجتمع العربي وقصور النظرية وعدم ملاءمتها للواقع، وأصبحت شعارا يردده المثقف المبتدئ والسياسي المتخلف والمتعصبون للغرب وحضارته. وبتراجع هذا الخطاب سمح للفكر السلفي بالوجود على الساحة، وضاعت فرصة البناء مرة أخرى بسبب تيارين متعصبين وغير واقعيين.

تتعلق كل هته المشاكل المجتمعية العربية بالأخطار التي تهدد دوما الهوية واتساع الهوة بين الشعوب وانتشار الكراهية والعنف السياسي والمدني وفشل كل الإيديولوجيات التي جربت على مجتمعنا مما تسبب في ردة فعل غير محسوبة العواقب. لكن أليست الديمقراطية وهما سنكتشف يوما أنها هدية ملغومة وأنها جزءا من الحل وليست بالضرورة الحل الكامل.

1 تعليقك

  1. Avatar نورالدين مدني

    عزيزي عبدالله العبادي
    بعد التحيى واتقدير
    هذا إجتهاد فكري مختلف أوضحت فيه الفرق بين الحرية والتحرر وبينت ان التحرر يرتبط بالحراك الإيجابي من أجل التغيير للأفضل واكدت اهمية دور المثقفين القيادي وضرورة ردم الهوة بينهم وبين الشعوب ومحاصرة إنتشار الكراهية والعنف .. وحسن توظيف الديمقراطية في إنجاز التغيير نحو الأفضل

اترك رد