القوة تفرض السلام !؟..

 

الخطاب الاخير لسيد البيت الابيض، عكس الخطوط العريضة والعامة للاستراتيجية الامريكية..وقد غطى جميع اتجاهات السياسية الامريكية في المنطقة والعالم وقواعد العمل التى على ضؤوها تتحرك هذه الاستراتيجية، وهي كثيرة جدا. لكن اهم قاعدتان في تلك الاستراتيجية من وجهة نظر هذه السطور المتواضعة وكما صرح ترامب بوضوح في خطابه الاخير، هما – القوة تفرض السلام او القوة تحقق السلام في العالم…- ان روسيا والصين تعمل على تقويض المباديء الامريكية في العالم والتاثير الجدي على مصالح امريكا، ومن واجب امريكا التصدي لهذا التاثير.. واستدرك ليصحح: من المهم ايجاد الطريقة الملائمة للتعامل مع روسيا والصين..ان الذي استمع الى الخطاب وبتركيز شديد وفحص وتآمل، يتوصل وببساطة الى ان الخطاب او الاستراتيجية الجديدة يعكس او تعكس عقلية استعمارية وعنصرية لاتختلف في شيء عن العقلية النازية، عقلية الهيمنة على مقدرات الشعوب والدول وألغاء وجودها في الارادة المستقلة..وألا بماذا نفسر ان القوة تفرض السلام او تحافظ على السلام بالقوة وبالضد من ارادة الشعوب والدول ومصالحهما. مع ان هذه القاعدة في التعامل مع دول العالم لاتنسجم مع التحولات الجارية الان في العالم والتى انتجت وازنان للعلاقات الدولية، هما روسيا والصين، ولو انهما بحاجة الى البعض من الوقت حتى تتجذرا. امريكا تواجه اكثر من فشل في سياستها في المنطقة واعني المنطقة العربية وجوارها، فهي قد فشلت في فرض رؤيتها للحل في سوريا حتى هذه اللحظة وهذا الفشل لايلغي من احتمال وهو حاصل، من اتفاقات الاضطرار مع روسيا من تحت الطاولة، وفي اليمن وفي ليبيا وفي دول اخرى في المنطقة. وفي شبه الجزيرة الكورية واجهت وتواجه فشلا ذريعا لسياستها هناك، إذ ان كوريا الشمالية اصبحت دولة نووية كاملة، ولا تستطيع امريكا مهما غردت بتهديدتها سواء الاقتصادية او العسكرية، نزع اسلحة كوريا الشمالية، وسوف تعترف مجبرة، بذلك مستقبلا، ان القول ان القوة تفرض السلام، قول فيه الكثير والكثير جدا من الاعتداء على القانون الدولي وعلى سيادة الدول وامال شعوبها في الحرية والتحرر. والذي يفترض به اي بالقانون الدولي، تنظيم العلاقات بين الدول بمعايير القانون وضوابط الاخلاق وحوكمة العدل، ان هذا القول ينسف من الاساس هذا القانون. وهنا سؤال يفرض نفسه، من سياقات ومضامين هذا القول: هل استطاعت امريكا فرض السلام في شبه الجزيرة الكورية وهنا نقصد وكما الحق يفترض به قول هذا، السلام العادل وليس سلام الهيمنة والالغاء والاستلاب، لم تستطع وسوف لن تستطيع، لأنها لا تسعى الى السلام العادل وانما الى سلام الاستغلال والسيطرة الاستعمارية والتى ترفضها الشعوب الحية، رفضا قاطعا، حتى وان أكل الناس الحشيش وهذا ما هو حاصل في كوريا الشمالية والتى ولا محال سوف تنتصر في القادمات من السنيين. ان هذا الصمود المبرمج على صناعة عناصر القوة والردع لقوى الشر الاميركي وفي ذات الوقت لايعطي (في لحظة ضعف قانوني تحت مطارق قانونية عدم الانتشار النووي في شبه الجزيرة الكورية وجوارها، وحتى في العالم..)، للدول الداعمة لها اي كوريا الشمالية، روسيا والصين على وجه الخصوص الصين، فضاءات للمقايضة والمساومة مع الغول الامريكي على حساب مصلحة كوريا الشمالية الاستراتيجية ( مع ان تلك المقايضة بعيدة جدا، لكن في السياسية الدولية، سياسية المنافع والمصالح والاطماع، كل شيء جائز..)، لأن المدعوم يمتلك صلابة الارادة المستندة على صلابة الجسد المجتمعي، مما يؤدي بالنتيجة الى معاونة الداعميين او الداعم، بتقديم اسانيد القانون والاخلاق والعدل، حق المدعوم بالامن والسلام وعدم التدخل والتهديد السيادي، بحرمان الناس هناك، في كوريا الشمالية، من حقهم بالعيش في بلد حر وكريم وأمن ومطمئن. نعود الى الخطاب او الاستراتيجية الجديدة والتى تمحورت (بالاضافة الى العمودين الاساسين واللذان اوردناهما في بداية هذه السطور)، حول جعل امريكا قوية وقادرة على استمرار الرفاه في المجتمع الامريكي باستغلال وهذا هو المقصود، ثروات شعوب الارض ومنطقتنا العربية في مقدمتها، وتحويل اقتصادياتها وهي كذلك الى اقتصاديات ريعية، لأستمرارها مجتمعة كسوق كبيرة. القوة تفرض السلام، قول هو في غاية الاستهتار بحق الناس والدول في صناعة السلام الذي يخدم في اقل تقدير مصالحها في الحاضر والمستقبل، هذا الفرض يتناقض مع تلك المصالح والتي يقرها شرع السماء وشرع الارض..وفي ظني ان هذا القول يعني وفي اهم ما يعني من بين الكثير مما يعنيه وفي الكثير من مناطق تواجد او نفوذ وحش المال الامريكي، هو ايجاد حل للصراع العربي الاسرائيلي، حل يفرض بالقوة. وهذا ما ظهر واضحا في قرار ترامب سيد البيت الابيض في نقل السفارة الامريكية الى القدس. ومن الطبيعي ان هناك من الدول العربية، من يريد ذلك بالخفاء وبصرف النظر عن ما قيل ويقال ويستمر القول فيه، قول يخالف الاتفاقات والحقيقة المستترة بسطح الطاولة. في الفترة الاخيرة وفي سابقة لم يآلفها الاعلام العربي وعلى مدار عقود، الكثير من الاقلام في الخليج العربي، يروجون لهذا الحل اللاحل، ويثنون على اسرائيل وحقها في القدس وغير هذا الكثير (حتى وصل الامر بوزير خارجية البحرين بتغريدة له وعلى صفحته وباللغة الانكليزية، بأرتفاع موجع للنفس، أرتفاع منسوب الوقاحة والاستهتار بمواقف وعواطف ميئات الملايين من العرب والمسلمين، حين اعتبر قضية فلسطين، قضية ثانوية بالقياس على التهديد كما هو وصفه في تغريدته المخزية والمعيبة تلك، التهديد الايراني واصفا اياه بالتهديد الاستراتيجي والاساسي، في مخادعة مكشوفة لأخفاء حقيقة التطبيع المجاني.. )، وهم في هذا يروجون او يشنون حملة للتطبيع الشعبي مع وكر الدبابير في تل ابيب المحتلة ، ويحضرني هنا قول نتن ياهو: ان اسرائيل بحاجة الى التحشيد الاعلامي لكسر العزلة عن المجتمع العربي وهذا كما يقول هو، ما نحن الان بحاجة اليه.. ان تلك الاقلام على ما يظهر لاتشاهد ما تعرضه محطات التلفزة في كل مكان في العالم( الماسونيون لايشاهدون جرائمهم!؟..)، والتى تعرض ما يقوم به جنود الاحتلال الاسرائيلي من مذابح وتهجير واستيلاء على الاراضي بقوة السلاح بعد اجلاء اهلها منها بقوة السلاح، لفرض واقع ديمو غرافي جديد، وهي ذات القوة ولو بطريقة وبمسار مختلفان، القوة التى قال عنها ترامب هي من تفرض السلام. ان الطريقة التى بها تسلب من الناس وكذا الدول حقها بالحياة بكرامة وتفرض عليها الحل او السلام الذي تريد بمعزل عن ارادة الناس او ضد ارادتهم، ليس سلام بل هو استمرار الصراع ولو بدروب قد تختلف لكنها تظل تقاوم من اجل حقها ومن اجل العدل والانصاف. في المحصلة النهائية هذا ليس سلام بل ظلم، والمظلوم لايسكت او يستسلم لمن ظلمه. الفلسطينيون يقاومون الاحتلال الاسرائيلي على مدار سبعة عقود خلت، لم يهادنوا ولم يستكنوا، الصهاينة ادرى من غيرهم بصلابة هذا الشعب وثباته. هناك متغييرات وتحركات لاتنفصل باي حال من الاحوال عن ما قاله ترامب في خطابه من ان القوة تفرض السلام، هذه المتغييرات او التحركات وهي معروفة ولا حاجة لتكرار ذكرها، فقد كتب الكثير عنها، جاءت بضغط امريكي والتي تم فيها عصر اعناق ذوي الشأن العربي الرسمي في ظلمات ملاحق البيت الابيض. الوضع العربي الان ضائع في تيه لا حدود لهذا التيه. فكيف يمكن لوضع بهذا السوء ان يحظى بدعم الدول العظمى والكبرى وتحديدا روسيا والصين، تلك الدول في نهاية المطاف تبحث عن مصالحها واطماعها عندما يحين الحين وتدق ساعة الحقيقة ولاتجد قوة ارادة لأصحاب الشأن العربي واقصد النظام الرسمي العربي، ما الذي يمنع هذه الدول ان تساوم وتقايض الغول الامريكي على حساب مصالح دول المنطقة العربية، بعد ان تم بفعل فاعل تغيب ارادة شعوب العرب..ان المرحلة القادمة هي من اعقد واخطر المراحل التى سوف تمر على شعوب العرب واوطان العرب، وهي التى ترسم بها شكل دول المنطقة العربية وانظمتها السياسية ونوع اقتصادياتها. وهنا تبدأ وهذا ما نفترض، قوة ارادة الناس في الدفاع عن مصالحهم في الحياة الحرة وكذا الحرية والتطور..في افشال ما يراد لهذه الدول وشعوبها من التبعية والخنوع وفقدان الكرامة الوطنية بمصادرة قرارها السياسي والاقتصادي، حتى يتم فتح جميع ابواب النهب، نهب الثروات والاستغلال البشع..وهذا لايشمل دول المنطقة العربية بل جميع دول العالم واخص بذلك الدول الضعيفة في افريقا واسيا والعدد الكبير جدا من دول امريكا اللاتنية.. ان الفاحص للخطاب الترامبي يتوصل الى نتيجة مفادها ان امريكا تخطط للسيطرة على العالم وبناء رفاهها على حساب دول العالم الضعيفة وحتى الدول الكبرى في اوربا والمنضوية بحلف ناتو مع امريكا (في خطاب ترامب في مؤتمر الناتو قبل اشهر، طلب من تلك الدول تسديد فاتورة ما اسماه، الامن والحماية الامريكية، حددها بنسبة 2% من موجوع الناتج القومي لتلك الدول..)، ومتوسطة القوة مع مهادنة روسيا والصين بمعنى اجراء تفاهمات على حدود ومناطق تلك المنافع والمصالح والاطماع. ومن هنا يجري التركيز على استمرار بناء القوة العسكرية فائقة التدمير وصرف ميئات المليارات من الدولارات على الانفاق العسكري ليصل وكما تباهى به ترامب في خطابه الى 700مليار لعام 2018. وفي ذات الوقت يقوموا وهنا نقصد الاعضاء الدائميين في مجلس الامن الدولي وبإرادة إمريكية بدرجات من الضغط كبير وكبير جدا، باصدار قرارات تمنع على الدول الضعيفة حيازة او صناعة اسلحة تحفظ وتصون بها سيادتها، حتى تظل تابعة لتلك الدول وهي مجبرة على فعل ذلك (إلا استثناءات قليلة، خرجت من عنق الزجاجة هذا، في الماضيات من السنين، او القليلة الاخرى في الوقت الحاضر، القليلة جدا، وهما كوريا الشمالية وإيران، اللتان تناضلان وتقاومان بضراوة وشرسة، ضراوة وشراسة، الحق في الوجود وبكرامة..لكسر عنق الزجاجة هذا، والخروج الى فضاءات التمكن السيادي في الوجود، في كرة الارض التى ابتليت بخنازير المال المتوحشين.. )، كما ظلت تابعة لأكثر من قرن مضى، لتستمر لا سامح الله، في التبعية لقرن قادم…

لا تعليقات

اترك رد