صناع مصر المهرة

 

هذا المقال أكتبه بعد أن تعاملت زمنًا طويلًا مع فئات من عمال مصر في مجال السيارات سواء كانت في مجال الكهرباء أو الميكانيكا، وفي شؤون المعمار، مثل أعمال الديكور والدهانات كما نطلق عليهم النقاشين، أو مع نجار الباب والشباك أوالسباكة والصرف الصحي والسيراميك وصانعي الأثاث. إن تاريخ مصر مع العمال المهرة تاريخ عظيم، كانت مصر تملك فيه أسطولًا عظيمًا من العمال بل وأمهرهم على الإطلاق منذ عصر الفراعنة. إن الذين قاموا ببناء الأهرامات التي حيرت العالم وأذهلته إنما هم عمال مصر المهرة، كذلك المعابد والرسومات الجدارية التي مازالت تحتفظ بألوانها زاهيةً ونقيةً كأنها صُممت في الأمس وليس من آلاف السنين! كذلك تحنيط الموتى، ذلك العلم المُعجز الذي أرهق العالم كي يصل إلى أسراره وفنونه. استمر عمال مصر على مهارتهم وإتقانهم العمل حتى العهد الإسلامي، كسوة الكعبة المشرفة تُصنع بأفضل ما يكون، بناء المساجد والمآذن والمنابر على طراز مصري أصيل، حتى وإن كان لكل عصر ولكل دولة من الدول الإسلامية أثره وطابعه، مازالت تلك المساجد على حالها تقف شامخة وتُبهر العالم. جاء الاستعمار العثماني، ونُزِعَ من مصر عمالها المهرة، وأرسلوهم إلى الاستانة لبناء العاصمة الجديدة لدولة الخلافة التركية وتصحرت مصر وأصبحت فقيرة بلا عمال أذكياء ومَهَرة، إلا ما ندر في عصر المماليلك ومن يذهب إلى خان الخليلي يستطيع أن يشاهد تاريخًا لا مثيل له، صناعات يدوية غاية في الإتقان والروعة، استمر ذلك حتى فترة الخمسينات والستينيات من القرن الماضي، بعدها أخذت الحرف اليدوية تنقرض شيئًا فشيئًا، حتى حلت الصناعات الصينية محلها. المشغولات الذهبية والفضية والنحاسية التى كانت تخرج من خان الخليلي وغيره من المناطق التي كانت تهتم بالزخارف والنقوشات الفنية، كانت لها شهرة عالمية، وتبذل النساء مجهودًا كبيرًا للحصول عليها، لم يخلُ بيتٌ من بيوت مصر في العشرينيات وحتى أواخر الستينيات من الأواني النحاسية الفخمة والقيمة أو من صناعات ومشغولات فضية. هل ينسى أحدٌ منا عظمة الأثاث الدمياطي وشهرته العالمية؟ صناعات كان العالم يلهث وراءها ليقتنيها! كذلك الحلوى الدمياطي مثل المشبك والحلاوة الشعر، والجبن الدمياطي. حلوى المولد في مدينة طنطا ومدينة دسوق، مدينتان اشتهرتا بالحلوى ويحج آلاف البشر إليهما وقت الاحتفال بمولد سيدي إبراهيم الدسوقي والسيد أحمد البدوي.

إنتقل إلى مدينة الإسكندرية صناعة أجود أنواع الجبن وكذلك اللحوم المجففة عن طريق اليونانيين والإيطاليين إيام الإحتلال البريطاني، وغشتهرت الغردقة بالفسيخ مثل مدينة دسوق، ومدينة المحلة الكبرى رغم أنها مدينة مصرية صغيرة لكنها لُقبت بالكبرى لشهرتها العالمية في صناعة المنسوجات القطنية، ومدينة كفرالزيات صاحبة عشرات المصانع وعشرات من محالج القطن! مدينة قها اشتهرت بصناعة الأغذية المحفوظة والمعبئة.. مئات المدن المصرية لعب فيها المواطن المصري أعظم دور في بناء شهرتها عالميًا، وكان سببًا في عظمتها وجلب ملايين الدولارات إلى الوطن. أما اليوم فقد تعاملت مع عمال مصر فأصابني الحزن والحسرة لما أصابه من وهن وفشل وغباء، لم يعد العامل المصري صاحب ذكاء مهني إلا ما ندر. الماهر منهم إما أنه سافر إلى الخليج أو ترك حرفته إلى قيادة التوكتوك. مصر الآن بلا عمال مهرة، وأصحاب الحرف ينقرضون بل انقرضوا.. وأنا هنا أضرب ناقوس الخطر، لأنبه الجميع، مصر في مأزق كبير. ليس لدينا صاحب حرفة ذكي وماهر يعشق مهنته.. وأكرر يعشق مهنته!

لا تعليقات

اترك رد