المخرج محمد شكري جميل


 

اسم كبير ,يتكون من ثلاث كلمات ,تباينت الاراء حول اهمّيته واختلف حوله الكثير ,منهم من يرى انه عرّاب السينما العراقيّة ,واخرون يقولون انه لايمثل سوى محاولات معظمها فاشلة فنّيا واخرى نجحت أما بسبب البناء الروائي لموضوع الفيلم او لتميّز الفنّنين والفنّيين المساهمين في ذلك العمل,مجموعة اخرى يعزون السبب في فشل معظم افلامه الروائيةال(13) فيلم الى الظروف السياسية التي فرضت عليه اشتغالات يطغي عليها الجانب الدعائي لتلك الحقبة لكنهم يعودون ويقولون كان عليه ان يكون ذا موقف, لان الفن بدون موقف قوي وواضح, لا يمكن ان يكون مؤثّرا ولا يخلق لصاحبه مكانة في مجتمعه الانساني والفنّي ..وأراء اخرى ترى ان اسمه كان عليه انيتكوّن من كلمة واحدة, أو في احسن الاحوال من كلمتين بينهما عصا غليضة من تلك العصي التي غالبا ماكان يحملها اثناء تصويرافلامه, وحدث ان شاهدنا كلام لمدير التصويرالذي رافقه في بعض الافلام(نهاد علي) يوصي فيها محمد شكري ان يرمي العصا من يده .كان ذلك في فيلم عن (نهاد علي) للمخرجة (خيرية المنصور).

الرجل محمد شكري أحب السينما حبّا خرافيّا منذ صغره حينما اهداه والده كاميرا سينمائية صنع من خلالها فيلما بدقيقتين ,وهذا يذكّرنا بالهدية التي تلقّاها المخرج العالمي المهم جدا (ستيفن سبيلبيرغ ) وهي كاميرا سينمائية ايضا, لكن الفرق بين الاثنين هو ان الثاني حوّل هدية والده الى شرارة ابداع وافلام اشبه بالاساطير باسلوب واضح ينتمي الىذات المخرج ,بينما ارتبك الاول وأختلف مع نفسه بأفلام مختلفة في الاسلوب والانتماء والاشتغال الجمالي الى درجة اننا لا نستطيع اننرجعها الى اسلوب عمل واحد او مدرسة معينة رغم اهمية مواضيعهاالتي تندرج ضمن الواقعية كمدرسة سينمائية تلجأ لها الدول التي في نيتها طرح نفسها في افلامها القليلة على مستوى الانتاج.لقد توافرت لمحمد شكري ضروف انتاجية وفرص كبيرة كانت نتائجها اضعف مما يجب لاسباب اختلفت من فيلم لاخر .ففي فيلم (ابو هيلة) مثلا وهو اولافلامه برفقة المخرج (جرجيس يوسف) , كان ضعيف من الناحية الفنية والتقنية, وتاه تصنيفه بين ان يكون مسرحيّة مصوّرة ,او فيلم عن مسرحيّة, وفي النهاية لم يجد له شكلا خاصّا به .الفيلم مأخوذ عن مسرحيّة (تؤمر بيك)ليوسف العاني .اما في فيلمه الثاني (شايف خير) فلم يكن افضل حالا من سابقه, وبقي يعاني من نفس عيوب الاولرغم انه حقق نجاحا جماهيريا جيدا, لكن ذلك جاء بسبب اعتماد الفيلم على اغاني ورقصات لبعض الفنانين العرب .في عام 1972تحقق نجاح محمد شكري الاول فنيا, كان ذلك في فيلم الظامئون عن رواية بنفس الاسم ل(عبد الرزاق المطلبي),

اذ اعتمد النص السينمائي المكتوب بطريقة جيدة لهذا الفيلم, على الرواية المكتوبة باسلوب سردي قريب جدا من السرد السينمائي الذي سيطر انذاك على اسلوب الكتّاب والروائيين نتيجة لقوّة تأثير هذا الفن على الوسط الثقافي العالمي , وحقق الفيلم نجاحا فنيّا استطاع من خلاله شكري ان يضع اسمه على تل كونه حصل على جائزة النقاد السوفيت في مهرجان موسكو بالرغم من الانتقادات الكثيرة التي وجّهت لموضوع الفيلم الذي يتحدث عن الظمأ والعطش في بلد وادي الرافدين والسؤال كان :اين الرافدين من كل هذا ؟.عام 1979 عاد شكري مرّة اخرىلعالم الرواية وتحديدا لرواية (القمر والاسوار) ل(عبد الرحمن مجيد الربيعي) وتم التصرف فيها لدرجة ان الكاتب الربيعي كثيرا ماذكربان فيلم (الاسوار) وهو الفيلم الذي اخرجه شكري عن روايته تلك لاينتمي لعالم النص الذي كتبه هو ,لكن الفيلم جاء بتقنية متطورة عن سابقتها,

وتم التعامل مع الشخصيّات المكتوبة باسلوب سينمائي تشابكت فيه تقنيات السينما مع النص المكتوب لينتج نصا مرئيا متطورا صنع لنفسه ضرورة حضوره مرئيا ,تحركت فيه الكاميرا, وتعاون التكوين مع الميزانسين ,وكان لحركة المجال ضرورة تعادلها الحركة داخل المجال, ولم يتقيّد الفيلم بالنص المكتوب لكنه استند الىنص مرئي جديد استطاع ان يخلق بنية سينمائية كشفت عن سبب طرحها بهذا الوسيط الذي تختلف وسائله ووسائطه وعناصره عن الوسيط الروائي .حصل الفيلم على السيف الذهبي في مهرجان دمشق مناصفة مع المخرج التونسي المهم (رضا الباهي) .

استطاع هذا الفيلم ان يركّز اسم المخرج في ذهن المسؤولين .انتظر شكري ان يتقدّم خطوة اخرى لكنه تراجع كثيرا في فيلم تناول حكاية من حكايات الحرب العراقية الايرانية اسمه (المهمّة مستمرّة ), اذ جاء هذا الفيلم بائسا فنّيا تداخلت فيه البنية التسجيلية مع البنية الروائية لبناء فيلم روائي ليس له شكل مؤثر, ولانتماء اسلوبي الى اي من الاشكالالمدرسية او النظرية ,رغم قوّة موضوع الفيلم سينمائيا,فمثل هكذا مواضيع توفّر للمخرج افاقا جمالية قوامها المكان الدلالي المفتوح وتداخل الازمنة التي يعيشها الطياربعد ان سقطت طائرته بارضالعدو المفترض, ومسيرته الطويلة والمضنية للوصول الى الوطن.جاء الفيلم ببناء احادي الجانب لايمتلك سبلا لطرح بلاغية الصورة والتعبير, اذ لم نجد اختلاف بين ان يحكي لك الطيّار حكايته, عن انتظهر في فيلم مرئي يقترح صورا وتكوينات وعقد وحلول تنتمي الىبلاغة التعبير في السينما.ثم جاءت الخطوة الاخطر والاصعب لمحمد شكري حينما رصد له مبالغ قدرها (30) مليون دولار وممثلون كبار امثال (اوليفر ريد وجيمس بولام وهيلين ريان) ,ومدير تصوير يعتبر من افضل مدراء التصوير في العالم هو(جاك هيلديارد) الذي عمل افلامكبيرة مع المخرج (ديفيد لين ) وحاصل على العديد من جوائز الاوسكار,ودارت الة العرض لتعلن عن فيلم(المسألة الكبرى) الذي يتحدث عن ثورة العشرين في العراق .

اغفل الفيلم من حيث الموضوع الكثير من الجوانب التاريخية اضافة الى انه لم ينجح في توخّي الحذر من السقوط في رسم بعض المشاهد التي اراد ان يفتخر فيها الفيلم, لكن حدث العكس, كما في مشهد مقتل القائد (لجمان) حينما اختبأ ولدا الشيخ ضاري وهما يحملان البنادق ليمطرا لجمان بسيل من الاطلاقات عن بعد, اعانهما والدهما ضاري الذي أجهز عليه بالسيفوهو جريح , فجاء المشهد غدرا وتمثيلا بالجريح بعد ان اراد له انيكون فعلا بطوليا من الشيخ ضاري .كما ان مواقع الكاميرا في مشاهد المعارك بين الثوار والمحتل لم يكن مساندا للثوار, اذ جاء معبّرا عن قوة ساندة لقوة الاحتلال على الثوار, بعد ان تحولت الكاميرا لتكون وجهة نظر للمحتلين ووسيلة لدفعهم والقضاء على الثوار ,وساهمت في الهجوم على الثوّار مع المحتل حينما تبنّت موقف المتلقي ووجهة نظره .كثير من الاعتراضات على هذا الفيلم رغم انه احتوى على صنعة سينمائية جيدة, وأثبت الفيلم قوّة وسيطرة شكري على كادر ضخم من الفنيين والممثليين العالميين, لكن الرسالة لم تكن لصالح الثوّار لافتقار الفيلم الى فهم كيفية التعامل مع بعض عناصر اللغة السينمائية في منجز سينمائي تاريخي لثوار ثورة العشرين, بل انه كان في كثير من الاحيان يظهر وكأنه يخلق التبريرات للمحتل مستغلا في ذلك الثقة المطلقة بالكادر الانكليزي الذكي الذي لايسيء لنفسه اوبلده مهما كان,

بالتعاون مع تقنيّة الكتابة التي كانت في افضلأحوالها محايدة, وفي احيان كثيرة كانت ضد الهدف او الغاية من الفيلم .الفيلم حصل على جائزة افضل مخرج في مهرجان لندن .بعد هذا الفيلم كانت خطوات لافلام فشلت فنّيا في اغلبها منها فيلم (الفارس والجبل) الذي بني على سيناريو ضعيف لا تتوافر فيه معايير تنتمي لعالم السينما القادر على ترجمة مامكتوب, شرط ان تحمل المادة المكتوبة بين طيّاتها افق يمكنها ان تعبّرعن المضمون باشكالتزاحم بل تتفوق على المضمون كي تخلق مضامين تتالف مع بعضها لصناعة فخامة للاسم والحبكة والحل الذي يمثل غاية او مطلوبا او بنية خاصة ناتجة من اشتغال عناصر النص المكتوب لتنتج (الفارسوالجبل) وهو اسم الفيلم.بعد ذلك كان فيلم (عروس مندلي ) الذييتناول موضوع العروس التي بترت يداها في ليلة زفافها في انفجار مدينة مندلي .وهو موضوع في غاية الجمال والروعة ,وله تأثير كبير على المتلقي ,وفيه كل مقومات جمالية تحويله الى نص سينمائي يستطيع ان يحوّل الموضوع الى انتفاضة جماهيرية كبرى باتجاه الهدف لو بني بطريقة تنتمي الى الكارثة الانسانية التي حدثت لفتاة كانت امنيتها ان تضع يدها بيد زوجها لكن الحرب سرقت منها اسعد لحظة في حياتها وبترت يديها.الذي حدث ان الفيلم تغافل الموضوعة الانسانية في كثير من الاحيان ليتجه الى البنية الاعلامية التي لاتتعدى كونها خبر في صحيفة مؤثر.

ولم يخلو الفيلم من بعض الاضاءات في السيناريو والمونتاج والتمثيل لكنه جاء في مجمله دعائيا يندرج ضمن الافلام التعبويّة القاصرة, لم يساهم المخرج فيه ببناءاطر او قيم ترتقي بالموضوع اخراجيا الى مصاف معالجات مواضيع بهذه الاهمية بشكل سينمائي واسلوب ينتمي الى ذات المخرج, وقوّة خياله التي يمكنها ان تقترح مستويات دالّة لكل عنصر من عناصر اللغة السينمائية ,جاء الفيلم وكأنه لمخرج حرفي يطبّق مامطلوب منه بأقل مايمكن من الخسائر .مرّة اخرى اقترب شكري من المواضيع التاريخية في فيلم (الملك غازي ) الذي نجح في جوانب واخفق في اخرى, اذ انه اهتم في بناء بعض الشخصيات ,شخصية نوري السعيد أنموذجا, وأهمل اخرى ظنّا منه ان شخصيّة البطل حينما يكون بناءها قويّا, سيكون الفيلم حينها في اعلى مستوا, ونسي انالشخصيات الساندة يجب ان تمتلك ضرورات لوجودها داخل بنية الفيلم ,ضرورات درامية لا ضرورات تاريخية فقط, وان قوّة الشخصيات يجب ان يكون بناءها طرديا كي يساند بعظها البعض وتكون جميع المشاهد بقوة ابطالها لا بقوّى ابطال الفيلم .

وبين هذه الافلام جاءت بعض التجارب الفنّية التي لم تتفوّق على سابقتها كما في( اللعبة) عن رواية ليوسف الصائغ .كذلك في فيلم (عرس عراقي ) ,الى ان جاءت تجربته الاخيرة في فيلم (الاوجاع والمسرات) عن رواية لفؤاد التكرلي وسيناريو لثامر مهدي .حدث لهذا الفيلم مالم يحدث لفيلم اخر اذ تم حجزه في ايران منذ اكثر من اربع سنين لاسبابمادية لم تستطع دائرة السينما توفيرها رغم انها صرفت اكثر من مليون دولار على انتاجه .ولد محمد شكري عام 1937في راوندوز,درس السينما في لندن. بدأ مونتيرا ومصورا في شركة نفط البصرة التي كان يرأسها المنتج البريطاني (جون شيرمان) في قسم المونتاج, وارسلته الشركة الى لندن لاخراج فيلما عن الطلبة العراقيين في لندن وهناك عمل مصورا ومساعد مونتير ومساعد مخرج في عدد من الافلام البريطانية,

وحينما عاد قام بمونتاج افلام (نبو خذ نصر )لكامل العزاوي ,وفيلم (عروس الفرات) لعبد الهادي مبارك .عاد الىلندن عام 1959 وبقي ثلاث سنوات عمل خلالها مساعد مخرج في فيلم(القط والفأر )لبول روثا ,وفيلم(الرولز رويز)لانتوني اسكويث .وتدرّب في ستوديو (أمغول) الذي كان ينتج افلام(روبن هود) ثم في شركة (فيلم هاوس) ثم في شركة الانتاج العربي التي كان يديرها المخرج( صلاح ابو سيف) وبعدها انتقل الى مصلحة السينما والمسرح العراقية حيث اخرج (45)فيلما وثائقا اولهافيلم(الفيضان)عام 1945 ,واخرها فيلم(بلاد مابين النهرين) عام 2004 .له (13) فيلم روائي , واربعة مسلسلات (السرداب ,الحب ايهاالوجه الغريب),(حكايات المدن الثلاث) .وفيلمين قصيرين (ورطة)1970 ,و(الشتاء المر)1973 .كتب كتاب واحد بعنوان (لغة السينما في لغة السينما).وكتبت عن اعماله بحوث ودراسات ورسائل ماجستير,وكتب عنه الناقد مهدي عباس كتابا جميلا (عراب السينما العراقية ).مازال محمد شكري يقرأ ويكتب ويحلم ويحضّر لفيلم جديد عن سيناريو لعلي صبري .تحية للرجل الذي لايكل ولا يمل من حب السينما محمد شكرى .

لا تعليقات

اترك رد