رأيت مخبرا يتبعني


 

المخبر السري هو شخص يعمل لدي أجهزة المخابرات السرية وترتكز مهمته في الغالب على متابعة الأشخاص ذوي السوابق أو من يهدد النظام أو من يسعى الي التخابر الخارجي. والتصق المعنى في مجتمعاتنا العربية بأنه ذلك الشخص ذو القسوة والجلافة والذي بإمكانه أن يتهمك بالخيانة والتآمر لأبسط الأمور التي لا تعجبه. ورغم ايجابيات عمل المخبر السري في العصور القديمة لغياب التكنولوجيا الحديثة في المراقبة والتجسس وخصوصا ضد الاحتلال ومقاومة المستعمرين، إلا أن عمله في مجتمعاتنا العربية يشوبه المزاج والإتهامات بلا دليل نظرا لطبيعة الأجهزة الأمنية في منطقتنا العربية والتى تعتمد مسؤوليتها فقط على حفظ النظام الحاكم ومقاومة من ينتقد السلطة وأتباعها، وكذلك لغياب القيم القانونية لعمل المخبرين وأدوارهم السياسية أو الاجتماعية، ولذلك أخذ هذا الشخص هوية قمعية ملتصقة بمفاهيم زوار الفجر والتعذيب والعمل الخالي من الرقابة والمحاسبة.

فهل يمكن أن تختفي وظيفة المخبر السري في مجتمعاتنا؟..وهل تكفي سمو أخلاق الشعب بأن تحل مكان عمل المخبر؟؟..والأهم، هل الأنظمة العربية بحاجة فعلا الي عمل المخبرين لمراقبة أحاديث الشعوب ومتابعتهم حتى الي غرف النوم لمعرفة ما يدور بين الناس للوقاية من أي عملية إنقلاب على الحكم؟؟.. لا شك أن الواقع يكذب هذه الفرضية. فغالبية الأجهزة الأمنية في مجتمعاتنا تنفق الكثير من الأموال على تجنيد الأفراد والذين غالبا ما يكونوا ذوي حظ قليل في التحصيل العلمي والدراسي للإلتحاق بصفوف المباحث أو وزارات الداخلية وغيرها. ولا زالت مباني المخابرات والأمن من المباني ذات الكلفة العالية والممتلئة بالسجون السرية وغرف التعذيب..ولازالت ايضا مجتمعاتنا تخاف من الحديث عن الحكام والدين والجنس، فالحيطان لها آذان كما يقال في أمثالنا، وكما أن كل اجتماع سياسي أو علماني أو ديني يتأكد من هويات الأفراد حتى لا يحدث أي إختراق قد ينتقل الي مسامع الحاكم.. وفي الغرب تزايد الإهتمام بعمل المخبرين بعد أحداث سبتمبر للقضاء على

الإرهاب ومتابعة الأشخاص الذين قد يشكلون تهديدا أمنيا على مجتمعاتهم. وكم سمعنا كثيرا أن بعض الأجهزة الأمنية الغربية قد تمكنت من إبطال أو القبض على أشخاص ينوون القيام بعمليات إرهابية..مما ينقلنا هذا الفارق الي معرفة الفرق بين عمل الأجهزة الأمنية الغربية بحق التقاضي ووجود محامي خاص لكل متهم مهما بلغت جريمته، مع عمل الأجهزة الأمنية العربية التى تخلو في غالية الدول العربية من أي حقوق أو ضمانات قضائية للمتهمين. فإذا كان العدل يقضي بوجوب معاقبة المجرم أو المتهم، فان العدل يقضي أيضا بان يتمتع الشخص المتهم بجميع إمكانات الدفاع عن نفسه اذا ما أتخذ التحقيق منحى أخر يخالف أحكام وأصول القانون في الإجراءات القانونية نحو تحقيق غايات ومصالح خاصة على حساب الآخرين دون وجه حق كما يفعل بعض المخبرين السريين في غالبية الدعاوى وهذا يساعد على إشاعة الفوضى وعدم الاستقرار والطمأنينة لدى المواطنين.

ونظرا لغياب الشفافية الإدارية والديمقراطية في مجتمعاتنا العربية يظل عمل المخبر السري محفوفا بالسرية والكتمان وعدم السؤال عنه تحت حجج الظروف الإقليمية ووجود أعداء للحكام وكثرة الخيانات في الداخل، لندور في حلقة مفرغة من الإشاعات والخوف وأخذ الاحتياط عند الحديث. فكل فرد وربما داخل العائلة قد يكون مخبرا يعمل مع النظام ويحمل صحيفة مثقوبة ليرى ويسمع ما يدور من كلام.

إن التطورات في عالم التكنولوجيا وعلم التجسس والتصنت والأقمار الإصطناعية قد فرضت نفسها في تغيير نمط المراقبة والمتابعة، فبإمكان دولة كبرى اليوم أن تسمع دبيب النمل وأن ترى ما يدور في الغرف المغلقة. وما حادثة إغتيال بن لادن ببعيدة عنا بعد ان تم الإستعانة للقبض عليه في منزله المخفي بصور من الأقمار الإصطناعية ليتم تقليل مخاطر عملية قتله..وبالتالي فإن هذه التطورات يجب أن تفرض نفسها على الأنظمة العربية لتقليل تكاليف التجنيد وتقليص نسب الخوف لدى الشعوب بعد أن أمتلأت شوارعنا وطرقاتنا بالمخبرين والمفتشين والمباحث من كل الأجناس والفئات بطرق قديمة بالية..كما يجب على الأنظمة العربية مكاشفة شعوبها

ونقاش قضايا الأمن المتعلقة بمراقبة الشعوب وفق القانون وأعمال مجالس الشعب والأمة، فبالنهاية تبقى الشعوب هي الضمان الوحيد للحفاظ على الأمن والإستقلال وحماية الأوطان.

وتحضرني هنا خاطرة عن احد المخبرين قد كتبتها في عام 1993 وضممتها الي مجموعتي “عفوا إن أحببتك” الشعرية الأولى:

رأيت مخبرا يتبعني
يلاحق خطواتي
يسمع صوت نعالي
ولست أدرى
عن ماذا يبحث طول النهار
فأنا مواطن مثالي
أسبح بحمد النظام
وآكل من فتات النظام
وأقرأ جريدة النظام
ولا أتجمع تجمع مشبوه إلا مع نفسي
فمولانا الحاكم
أطال الله في عمره
وبقاءه في مركزه
منع التجمعات خوفا علينا
من انتشار العدوى الفكرية
أو النزعات الديمقراطية
وفي ذات يوم
رأيت ذلك المخبر فرحان
فقلت في نفسي
لعله تاب
أو كوفؤ بجزيل العطاء
ولكن في اليوم التالي
رأيته يتبعني أكثر من ذي قبل
تسابق خطواته خطواتي
ودقات قلبه دقاتي
ولست أدرى
فأنا مواطن لا أفقه شيئا في السياسة
ولا أعلم ماهي الحداثة والعلمانية والنخاسة
فقد ولدنا ومولانا الحاكم يعلمنا الكلام والكياسة
ويهدينا دائما عصا وكرسي الإفادة
ففوجئت بنفس اللحظة بأني مقبوض علي
بتهمة تمس أمن الحكم والحاكم
فرأيت مخبري العزيز
يوجه لي اتهام بكل فخر وتهديد
وبأنه كان يتبعني وأنا لا أدرى
وبأنه رآني في الجرم المشهود وأنا لا أدرى
وبأنه يريد إعدامي نظير اتهامي
وقد سألتهم بعد أن جف ريقي
وشارفت على الغص وتبليل جسدي
ماهي تهمتي؟!!
فقيل لي
بأنني بصقت ذات يوم
في شارع المدينة
الذي يحمل أسم مولانا حاكم المدينة..!!

شارك
المقال السابقمقبرة المعنى
المقال التالىمنخل سانت ليغو
عبدالعزيز القناعي مواطن كويتي حاصل على شهادات عليا في مجال إدارة المعلومات ومؤلف لديواني شعر وكاتب صحفي منذ 1989 في العديد من الصحف الورقية والإلكترونية. شارك في كتابة العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بالمعلومات ونقد الفكر الديني كما أنه المالك لقناة التنوير على اليوتيوب وله برامج تنويرية في قناة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد