قراءة في غيبوبة المحبة .. رثاء ووفاء وآفاق الكينونة الروحية


 

نص شعري
بـين الرحـيـل والـدمــع
للشاعرة والناقدة هدلا قصار

………………………………………..

(إلى روح صديقي وأخي الشاعر “فيصل قرقطي”أنثر على روحك أغنية من أغاني حياتنا اليومية التي عشناها كعائلة معا في غربة لم تلد البديل عن الوطن)

(1)
أتيتُ لأدونَ غيابَك من ذهولي
لأفرشَ ظلالَك
وأُسْرِجَ خيولَك مع طائرٍ … أطْلَقْتُ سراحَه يوماً
لنملأ سِلالَ الصدقِ من أوتارِكَ
بين الذهولِ والمحبةِ!
حَمَلَتْ أصابعي ظلَّكَ
ولَمْلَمْتُ ذِكْرَاك من ضُلوعِ الفجر

(2)
بين الدهشةِ …. والدمع!
أتيتُك ليلاً لأسْأَلَك:
هل صَنَعَ القلمُ قبرَك …؟
أم كان قلبُك يطلقُ رصاصاتِهِ نحو النهايةِ؟
ألم تقوَى يا صديقي على تأجيل مأتمكَ ؟
ألم تقوَ على انتظارِ حضوري؟
لأصْنَعَ لك طعاماً لُبْنانياً
هل كان قلبُك في يدِكَ حين تَركْتَ
“الوفاءَ، /والحسامَ، /والسلامَ، /والسما “دونكَ ؟
أم كان قلبُك يرسمُ قمرَ اللغةِ للعابرين في طقوسِكَ …

(3)
قد لا يليقُ بِكَ يا صديقي هذا الكفنُ
قد لا يليقُ .
وقد لا يليقُ بي أن أتْرُكَك بلا غطاءٍ…
لذا جِئْتُك من بيروتَ إلى سوريا
إلى جزيرةِ قبرصَ
ومن غزةَ إلى بير زيتَ
لأدخلَ معطفَ كتاباتِك ….وأسألُك:
هل سالَ حزنُك قهراً ؟
هل سال قهرُك فوق الصبرِ؟
هل سال حبركَ في حضرةِ الموتِ؟
كما سال قلمُك دماءً على بيروتَ وصبرا
آه يا صديقي
كم وضعْتَ الشعرَ متراساً لشعبِكَ…
وكم كان صبرُك يرسمُ النصرَ
فوق اللحظاتِ المقتولةِ
لترسُمَ الهويةَ الفلسطينيةَ …

(4)
بعد شارعين … وشرفةٍ!
أتيتُ لأقولَ لك :
كم كانت قدماك تركضان لخدمةِ الأصدقاءِ
كم كان هذا القلبُ عاصمةً للمتعبين
كم كان يحفظُ في خزائنِه مواويلَ الأنين
كم كان هذا القلبُ جمراً
كم كان هذا القلبُ طيراً ..
يرفرفُ فوقَ الشعرِ ليستريحَ في عشِّ صدرِك
آآه كم رأيت في عينيكَ الغضبَ والتصالحَ
والتسامحَ
بعد لحظةٍ … وخطوةٍ.
هل تذكرُ يا صديقي حين هربْنا
من شمسِ نيقوسيا
إلى دهشةِ شاطئ “بافوس”
وأنت تسجلُ على كفك الأيسرِ
العمرُ لحظة سعادةٍ
الأفضلُ لنا أن نعيشَه بين الورقِ والقلمِ
تحت هذهِ السماءْ

(5)
بعد شارعين … وشرفةٍ!
دمعتان ووردةٌ تسألُكَ :
لمَا لمْ تمشطِ المستحيلَ وتنتظرْ أختاً لم تلدها أمكَ
لنتسامرَ في سطورِ الشعرِ…
لنحللَ طقوسَ الحياةِ …
هل هو اختيارُك ألا تنامَ هادئاً إلا مع الموتِ
في ليالٍ طوالٍ!!
ولمَ سَحَبْتَ ظِّلَكَ قبل فجرِ البكاءِ
قبل أن تعيشَ السلامَ
قبل أن تُزوجَ “حسام”
هل وزَّعْتَ ورودَ الكلماتِ على غبارِ الأردنِ
أم تَرَكْتَ السطرَ الأخيرَ على سريرِ مشفى الحياةِ
في لوعةِ حنينٍ لا يترجمُه سواي ؟

(6)
آه يا صديقي كم سَتَفْتَقِدُكَ الدواوينُ
وكرسي الغرفةِ
قواريرُ الشرفةِ
وأزهارُ البنفسجِ
هل سجلْتَ يا صديقي رحلاتِ البحرِ البعيدِ ؟
وقطفَ البرتقالِ
واقتلاعَ الخرشوفِ
هل سجلتَ نُزهاتِنا العائليةَ؟
وبراغي ألعابِ أطفالِنا
في حلم قيلولةٍ لا تنامُ فيها عيناك ؟
هل دفأتَ أحلامَك بغطاءَين ووسادةٍ
وهل وزعْتَ أوراقَ الليلِ على بيدرِ طاولتِك العتيقةِ؟
لأستنشقَ نبيذَ الشعرِ من عرينِك؟
هل أفرغت منفضةَ السجائرِ قبل النوم؟
وهل سَتَسْبِقُـني إلى صناعةِ قهوةِ صباحاتِ أكتوبر؟
قبل أن ترشَ العطرَ على ذراعيِك ؟
آه يا صديقي كم ستبكي فراقَك الأوراقُ والأقلامُ
والقصائدُ المحشوةُ من دموعِك المختبئةِ في بحورِ الشعرِ

(7)
ها نحن الآن نرشُ لك سنابلَ العزاءِ
لنرفعَ صوتَك
ونلامسَ كتـفَيْ حضورِك …
لنَغردَ لحنَ كلماتِك المحملةِ بأرجلِ ألفِ معنى …
ها نحن نحزنُ لفراقِك …
نَجْمَعُ من أجلِك هاماتِ الشعرِ …
نرشُ زهورَ النرجسِ الحنونِ على ذكراك …
نرفعُ لك قبعةَ نخلةٍ لم تركعْ يوما
لنُذَكِّرَك باللوزِ والزيتونِ..
يعز عليَّ يا “فيصلُ”أن تحرِمَنا الأياَّمُ أحاديثَنا الأدبيةَ
يعز عليَّ ألا أشهدَ وجهَك وهو ينامُ نَومَتَه الأبديةَ …
و الختـامُ : وداعاً
وداعاً أيها الأخُ والرفيقُ والزميلُ
والصديقُ الصادقُ الصدوقُ
عليك السلامُ يا أبا حسامُ ؟
وعلينا بالصبرِ الأليمْ
منذ هذا التاريخ

1/12/2012

………………………………… …….

.الدراسة الادبية للنص

_________________

حين تتشظى الروح الانسانية في موقف من المواقف المؤلمة تتكسر كل المشاعر الذاتيه ويصبح الغيم بلون الطيلسان الاسود

، وحين يكون التشظي منبعثا من رائحة الموت يقف الانسان مبهوتا تاخذه ذكريات الماضي التي تتطاير فوق الطفولة الانسانية وكأن قائلا يقول لنا وللانسانيه جمعاء ما قاله ابو ذؤيب الهذلي:

أمن المنون وريبها تتوجع
والدهر ليس بمعتب من يجزع

أو كأن قائلا اخر يردد ما قاله أبو العلاء المعري

تعب كلها الحياة فما أعجب…………. الا من راغب بازدياد

نحن امام معضلة كبيرة هي الموت….انه كما وصفه الله تعالى مصيبة كبيره نفقد من المها مشاعرنا التي بنينا منها جبلا من المحبة الانسانية.

لقد رثا الشعراء على مر الزمن اباءهم وامهاتهم واخوتهم وزعمائهم ورثوا حتى انفسهم ومدنهم الزئلة قبل ان يموتوا ولا نريد ان نستعرض فن الرثاء هذا الغرض الشعري الذي لن تطوى صفحته حتى يموت اخر انسان على الارض …

والرثاء عند الشعراء الرجال كثير جدا وعند النساء قليل، واذا كان عند الشعراء الرجال كثير ومثري وموفي بغرض التفجع على الميت فانه عند الشواعر النساء اكثر احساسا بالموت من جهة وبالمرثي من جهة أخري؛ فقد رثت الخنساء اخاها صخر لما له من مكانة سامقة في نفسها وقومها فقالت :
وما عَجُولٌ على بَوٍّ تُطيفُ بِه
ِ لها حَنينانِ: إعْلانٌ وإسْرار
ُ تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ، حتّى إذا ادّكرَت

فانَّما هيَ إقبالٌ وَإدبارُورثت الفارعة بنة طرف الشيبانيةاخاها حين قتل فلامت الاشجار في الخابور على عدم جزعها على موته
فيا شجرَ الخابُورِ مالك مورقاً
كأنّك لم تجزع على ابنِ طريفِ

وكذلك رثت سعاد الصباح زوجها زوجها عبدالله البارك واعتبرته اخر السيوف فقالت:
ياخيمتي وسط الرياح، من الذي
سيلمّ بعدك دمعي المنثورا
يامن ذهبتَ وماذهبتَ، كأنني
في الليل أسمع صوتك البلورا
أنت الربيع فلو ذكرتك مرة
صار الزمان حدائقا وعبيرا

واما شاعرتنا عدلا قصار فقد تعرضت لنوع جديد من الرثاء النسوي هو رثاء الصديق الوفي المخلص في اخوته ؛ فكان رثاء الشاعر الجميل والصديق الودود فيصل قرقطي الذي اختطفته يد المنون من قاموس الشعر العربي ومن بين أهله وأقرانه ؛ فكان رثاؤها احاسيس ملتهبة تكسرت اجنحة الشاعرة بعد فقدها لصيق وجار كان بالنسبة لها نعم الوفي …وقد وصفت الشاعرة هدلا مرثيها بصفات الجلال والكمال وجعلت ازهار البنفسج تتاسى لفقده وكذلك قوارير الشرفةقالت:
اه يا صديقي
كم سَتَفْتَقِدُكَ الدواوينُ
وكرسي الغرفةِ
قواريرُ الشرفةِ
وأزهارُ البنفسجِ

واللافت للانتباه ان الشاعرة جعلت من المرثي املا كبيرا لابائه ولمن يحيط به ولو رحتا نستعرض ما حل بالشاعره بعد فقده لاحتجنا لكتابة بحث مستقل ؛ فهي متاسية لتلك الايام التي هربت بها من حرارة شمس نيقوسيا
واندلقت اقدامها على شاطى بافوس وفي ذلك تقول:
آآه كم رأيت في عينيكَ الغضبَ والتصالحَ
والتسامحَ
بعد لحظةٍ … وخطوةٍ.
هل تذكرُ يا صديقي حين هربْنا
من شمسِ نيقوسيا
إلى دهشةِ شاطئ “بافوس”
وأنت تسجلُ على كفك الأيسرِ
العمرُ لحظة سعادةٍ
الأفضلُ لنا أن نعيشَه بين الورقِ والقلمِ
تحت هذهِ السماءْ

نعم انها تستجمع كل ما تملكه من مشاعر واحاسيس لتنثره على مساحة الكون قصيدة غجرية تتابى ان تبحث عن المجهول الذي تحول الى غيمة من الحزن سكنت فؤادها

رحلة جميله وذكريات واعدة ولكنها تبعث الحزن الان على فراق صديق عزير……هكذا هي رحلة الحياة عند الانسان…..قطف برتقال، واقتلاع الخرشوف وتجميع براغي العاب الاطفال….. انه حلم قيلولة…يرش الغطر من بين أصابع المرثي لى اطلال الحياة
وقطفَ البرتقالِ
واقتلاعَ الخرشوفِ
هل سجلتَ نُزهاتِنا العائليةَ؟
وبراغي ألعابِ أطفالِنا
في حلم قيلولةٍ لا تنامُ فيها عيناك ؟
هل دفأتَ أحلامَك بغطاءَين ووسادةٍ
وهل وزعْتَ أوراقَ الليلِ على بيدرِ طاولتِك العتيقةِ؟
لأستنشقَ نبيذَ الشعرِ من عرينِك؟

وتطرح الشاعرة اسئلة الحياة في غياب الشاعر عن قهوة الصباح والقصاىد المحشوة بالدموع النازفة اغترابا وتغربا
هل أفرغت منفضةَ السجائرِ قبل النوم؟
وهل سَتَسْبِقُـني إلى صناعةِ قهوةِ صباحاتِ أكتوبر؟
قبل أن ترشَ العطرَ على ذراعيِك ؟
آه يا صديقي كم ستبكي فراقَك الأوراقُ والأقلامُ
والقصائدُ المحشوةُ من دموعِك المختبئةِ في بحورِ الشعرِ

البناء الفني في نص الشاعرة هدلا القصار :

______________________________

لا نريد ان نتحدث عن عناصر الرثاء وموضوعه وسماته عند الشاعرة فذلك امل طويل يحتاج الى بحث مستقل ولكنني ساشير الى نقطتين مهمتين في هذا الرثاء غير متوفرتين في نصوص شعر الرثاء المعاصر والقديم لان النص مكتنز بالكثير من الفن الرثائي

النقطة الاولى:

وتتمثل بان الشاعرة سكبت كل احاسيسها في وصف صورة صديق وفي بالنسبة لها فكانت كحمامة مقصوصة الجناحين لا تستطيع ان تطير وتحلق بعد فقد الأصدقاء الاوفياء من خلال عاطفة اخوية عميقة متلونه ومتشحة بالسواد حيث بدا

الكون معتما اسودا وان لم تعبر عن ذلك من خلال التصريح لان الشاعرة من اهل التلميح والشعر ان كان تصريحا فقد قيمته الشعرية؛ فالشاعرة لم تات الا لتدون غياب الصداقة بذهول؛ ولتفرش ظلال المرثي

وهذا ما عاشته الشاعرة حين قالت:
أتيتُ لأدونَ غيابَك من ذهولي
لأفرشَ ظلالَك
وأُسْرِجَ خيولَك مع طائرٍ … أطْلَقْتُ سراحَه يوماً
لنملأ سِلالَ الصدقِ من أوتارِكَ

فالغياب والذهول هما سماء الشاعرة السوداء بعد فقدان هذا الصديق…….

انها تعيش حالة من الذهول الذي يسترجع المحبة الأخوية التي ربطت الاواصر الانسانية:
بين الذهولِ والمحبةِ!
حَمَلَتْ أصابعي ظلَّكَ
ولَمْلَمْتُ ذِكْرَاك من ضُلوعِ الفج
بين الدهشةِ …. والدمع!
أتيتُك ليلاً لأسْأَلَك:
هل صَنَعَ القلمُ قبرَك …؟

.النقطة الثانية:

وهي تصوير مناقب المرثي الشعبية البسيطة التي لا ترى في الرثاء ان يكون صاحبه رمزا عظيما…بقدر ما يكون انسانا بسيطا يخدم اصدقاءه ويحتفظ في صدرة خزائن من الالم بينما قلبه جمرة متوقدة مرة وطيرا مرة أخرى يعيش في اتون الشعر
بعد شارعين … وشرفةٍ!
أتيتُ لأقولَ لك :
كم كانت قدماك تركضان لخدمةِ الأصدقاءِ
كم كان هذا القلبُ عاصمةً للمتعبين
كم كان يحفظُ في خزائنِه مواويلَ الأنين
كم كان هذا القلبُ جمراً
كم كان هذا القلبُ طيراً ..
يرفرفُ فوقَ الشعرِ ليستريحَ في عشِّ صدرِك

والشيء الجميل في نص الشاعرة هدلا قصار هو هذه الصور المتدفقة كشلال من الحزن ينصب على رؤوسنا فيفتق الم الفراق عندنا ولو رحنا نستجمع هذه الصور لوجدنا ه تشكل الظاهرة الفعالة في النص الشعري
بين الدهشةِ …. والدمع!
أتيتُك ليلاً لأسْأَلَك:
هل صَنَعَ القلمُ قبرَك …؟
أم كان قلبُك يطلقُ رصاصاتِهِ نحو النهايةِ؟
ألم تقوَى يا صديقي على تأجيل مأتمكَ ؟
ألم تقوَ على انتظارِ حضوري؟
لأصْنَعَ لك طعاماً لُبْنانياً
هل كان قلبُك في يدِكَ حين تَركْتَ
“الوفاءَ، /والحسامَ، /والسلامَ، /والسما “دونكَ ؟
أم كان قلبُك يرسمُ قمرَ اللغةِ للعابرين في طقوسِكَ …

(3)
قد لا يليقُ بِكَ يا صديقي هذا الكفنُ
قد لا يليقُ .
وقد لا يليقُ بي أن أتْرُكَك بلا غطاءٍ…
لذا جِئْتُك من بيروتَ إلى سوريا
إلى جزيرةِ قبرصَ
ومن غزةَ إلى بير زيتَ
لأدخلَ معطفَ كتاباتِك ….وأسألُك:
هل سالَ حزنُك قهراً ؟
هل سال قهرُك فوق الصبرِ؟
هل سال حبركَ في حضرةِ الموتِ؟
كما سال قلمُك دماءً على بيروتَ وصبرا

هذه بعض الصور الشعرية المتألقة التي نسجها خيال الشاعرة دون كد وعناء

وبالمجمل فالنص يحتاج الى قراءة اخرى تفتح لنا أفقا راجفا بقوس قزح جديد يمطر بالوانه الساحرة هم الشاعرة.

لا تعليقات

اترك رد