دور المثقف في إحياء المجتمع

 

إنّ الفرد المثقّف هو الفرد الجامع لعدّة مقومات وخصال تؤهله لأن يكون بهذا المستوى. فليس كلّ من حصل على شهادة جامعيّة أصبح مثقّفاً. ولا كلّ من نال درجات دراسيّة عُليا وأتقن أكثر من لغة، وترأس منصباً فخماً وامتلك المال. ولا من ركب أحدث السّيّارات أو انتقى أرقى الأجهزة ولبس أغلى ماركات الساعات أو أمسك بقلم من ماركة باركر!
إنّ الثّقافة مفهوم ينحصر بعدّة مزايا ومقوّمات تنهض بالفرد العامل بها وتجعله مثقفاً من كلّ نواحيه. فالثّقافة لا تُعطي مفهومها ما لم تبدأ أوّلاً بالتثقيف الرّوحي وتتعداه إلى الجانب العملي المشتمل على كثرة المطالعة والإلمام بالعلوم العامة ومجارات تقدّمها . بمعنى أن يكون على قدر من الاطلاع على مختلف العلوم والدّيانات والمعتقدات، وتناولها بصورة موضوعيّة بعيدة عن التّعصب الفكريّ والمذهبيّ والطّائفيّ ،حتّى يكتسب بذلك الثقافة الرّوحيّة الّتي تتضمّن القدرة على التّحكّم بالمشاعر والميول وتقبّل الرأي الآخر وتوجّهات المقابل وتطلّعاته .
إنّ الجانب الرّوحي هو الجانب التّقويمي لثقافة الفرد، لأن التّحلي بالخُلُق الرفيع وترويض النفس على التّحمل وعدم التّسرع في إصدار الأحكام والنّطق بالكلام والحديث والتحكم بطريقة الرّد والمباغتة وطريقة النظر والفعل ورد الفعل وتحمل المقابل، كلّ هذه العناصر تشتمل على التثقيف الروحي للفرد المتمثل بالأخلاق الرّفيعة، وهي الرافع لأساس بنيان الثقافة بمفهومها العام. فبعد أن يتمّ ترويض النّفس على أساس هذا المنطق ، يتمّ تثقيفها عن طريق تزويدها بمختلف العلوم والمعارف المختلفة في مجالاتها المتنوّعة وبصورتها العامّة ونظرتها الشّموليّة .
إنّ أساس التّثقيف الرّوحي يبدأ بقتل تلك البذرة الخبيثة في النّفس الواهمة بالنّظرة الدّونية لمن هو أقل منها من ناحية المؤهّلات التّفضيليّة المجتمعيّة، المتمثّلة بارتفاع المركز العلميّ أو الوظيفيّ أو الماليّ أو أيّ من الأمور الحياتيّة الأخرى! فإن توهّمت النّفس بذلك فقد فقدت القاعدة الارتكازيّة الّتي تقوم على أساسها الثّقافة الفرديّة فتصبح الثّقافة لهذا الفرد مجرّد هيكل مهزوز، لا يرتكز على الأساس الصّحيح. وهذا الهيكل مُعرّض للانهيار من أدنى موقف أو فعل! بهذا سيتجرّد الفعل من مفهوميّته العلميّة ويخضع إلى غريزة النفس الغروريّة الواهمة فيؤدّي بالتّالي إلى اهتزازه.
إنّ الثّقافة بمفهومها الصّحيح تبدأ بالمعاملة ، بدءاً من معاملة المسؤول لعامله، وانتهاء بمعاملة الأفراد لعامل النّظافة الّذي يعتبر في بلداننا العربيّة أدنى الرّتب التّشريفيّة المجتمعيّة! ذلك لأنّ مجتمعاتنا للأسف الشّديد تفتقر إلى الثقافة الرّوحية وهذا هو عزائها الأكبر!
إنّ المفهوم اللّغوي للثّقافة يعرّفها على أنّها كلمة مشتقّة من الجذر الثّلاثي لكلمة (ثَقِف)، فيُقال ثقاف الرّماح بمعنى تسويتها وتقويم اعوجاجها، وكذلك يستخدم نفس المفهوم مع العقل. لهذا فإنّ هذا التقويم يبدأ بالفرد المتقن له ليلقي بظلاله على المجتمع عن طريق تفعيل عدّة مبادئ من ضمنها الاحترام .
احترام ذوات الأفراد صغيرهم وكبيرهم. واحترام أجناسهم وقوميّاتهم ودياناتهم وألوانهم وانتماءاتهم ومهامّهم مهما صغرت. واحترام قدراتهم لتنمية فضيلة الأخلاق الّتي تبني المجتمع بناء رصيناً. فالاحترام يعتبر ركناً أساسيّاً لتفعيل الثّقافة الفرديّة. فإن وظّف هذا الرّكن في مجاله الصّحيح وعمل به كلّ الأفراد المثقّفين في المجتمع الواحد، وفعّلوا مبدأ الفضائل النّفسية والخلقيّة في التّعامل، وأمام جميع مكوّنات المجتمع لاستطاعت المجتمعات أن تنهض وأن يُبثّ فيها جانب الحياة الخُلقيّة الّتي ترتقي بالمجتمعات وتضعها في خانة الدّول المتقدّمة في مختلف المجالات .
إنّ تهذيب النّفس وتنقيتها من شوائب الغرور والكبرياء يُعّد عاملاً مهمّاً في إرساء اُسس البناء السّليم للفرد وإحياء الثقافة بمفهومها الشّامل وبالتّالي سيؤثر على بناء المجتمع ككلّ وإحياؤه.

لا تعليقات

اترك رد