ليست تأملات


 

1
مواطن على النفقة الخاصة.
لا احد يفكر بالعراق غير الفقراء والمحرومين والذين نهبت ثرواتهم من قبل “حيتان الفساد” ودكاكين الدين واذنابهم وأتباعهم والاميين الذين يتمسحون بأذيالهم طمعا في شهوة المال والسلطة والامن المؤقت . الاف الكفاءات الكبيرة المتنوعة وملايين المهاجرين الذين يعيشون من عرق جبين الشعوب الأخرى ، لم يترك لهم العراق سوى الاسم في هوياتهم وضمائرهم ، هؤلاء يمثلون العراق ويعكسون صورة مغايرة لما يعكسه خنازير الدين وعبدة السلطة من صور كارتونية عن الحياة في مختلف أوجهها.
حين كنا نعمل معارضين لنظام صدام ، كنا نحلم بدولة خالية من الرعب ، ومن المحسوبية ومن صناعة شيوخ العشائر الخدّج الذين تصنعهم السلطة ، تعلي شانهم بالقوة والرشىمتى شاءت وتذلهم متى شاءت ،دولة لامغامرات سياسية ولاتمييز طائفي او ديني فيها ولاتبعية للاجنبي ، دولة حرة حديثة في قوانينها الانسانية ، تستثمر ثرواتها في تنمية عقول شبابها في التعليم والتربية والصحة واللحاق بركب الدول المتقدمة . لكن الانوار المتبقية هنا وهناك اطفئت ، وسط نزاعات رخيصة وشهوات وضيعة وتسويق أهوج سطحي متخلف للدين ، اهانة للجامعات والمناصب حيث انتشار جامعات لاتنطبق عليها ادنى ضوابط الاخلاق والامانة العامة ناهيك عن ضوابط العلم والامانة العلمية . اهانة للمؤسسات بتنصيب كفاءات بسيطة حالمة على كياناتها ، فوضى في المال والبنوك والسلاح وقياس الاضعف يعيّن الاضعف منه ، والغبي يمنح فرصا للاغبى منه ، حتى تستقيم معادلة البقاء في السلطة والمنصب في اضيق مديات النظر للحاضر والمستقبل عرفتها الفطرة الانسانية .
أمام هذا ظللنا نحن الذين حلمنا بوطن آخر، مرمىً للشماتة بنا والسخرية من نماذجنا ،لاننا نذرنا اعمارنا لعراق مختلف متقدم حر متطور ، لايحكمه الابديون الذين لاتقيلهم من مناصبهم سوى مقابر الله.
هؤلاء لايفكرون بالوطن ، لايفكر بالوطن من يأكل لقمة حراما باليد او بتشريع حرام ، لايفكر بالوطن من يبيعه للأجنبي أو يعرضه للارهاب، لايفكر بالوطن من يجعل أراذل الناس اسيادا عليهم ، الذي يفكر فقط اولئك الذين اذا ذُكِرَ العراقُ وجِلتْ قلوبُهم وزادتهم اصرارا على الحياة . اولئك المواطنون على نفقتهم الخاصة ، لانهم خارج العراق لاتكترث السلطات لوجودهم وآرائهم ومواهبهم وجهودهم لخدمة البلاد، وداخل العراق لاتكترث لحياتهم اصلا.

2
للرؤيا بقية .
لايعني الله أن تكون محاميا أو طبيا أو فلاحا ، الذي يعنيه أن تنجب أبناءً فقط ، ادامة البقاء هي المهمة الوحيدة لكل مخلوق في الوجود ، وقد وفر الله جلّت قدرته لهذه المعجزة الكونية الجبّارة الفخمة كل السبل دون الحاجة الى أي من مخلوقاته لتفسيرها أو إعانته عليها. قانون البقاء يستند الى الذكورة والانوثة والى التوزان والتكامل في الحفاظ على الحياة ، ذكورة وانوثه وسبل الطبيعة للحياة من ثمار وقوانين طبيعية من الغرائز التي تمثل في النتيجة تعليمات للحفاظ على هذا الخلق، وظيفة الجميع واحدة ادامة الحياة – البقاء – وادوارهم لذلك قصيرة فقد اودع الله في كل موجود سر تناسله بملايين الاحتمالات يكفي ان تتفحص إمكانية الانسان على التكاثر أو كمية البذور في الثمرة الواحدة ، المجتمع البرّي مجتمع عظيم مكتفٍ بذاته ، يأكل القويُ الضعيفَ، وتتغذى أنواع على أنواع اخرى في قانونٍ متقنٍ إباحي عظيم لايمكن اختراقه .الأنسان ليس سوى نوع بسيط واحد من انواع هذه المخلوقات الحية يؤدي هذا الدور ويرحل كيفما احتاط ومهما امتلك ومهما صنع أوهاما للخلود،وكل ما انتج من تفاصيل وتحوير وتنظيم للحياة من لغة وملبس ومأوى ونظام اجتماعي وعلوم واختراعات تقنية انما هي شؤون ضعيفة ناعمة وفعاليات عابرة بسيطة لتنظيم شؤون نوعه باستخدام ميزة العقل الذي هو مجرد وسيلة دفاع عن النفس ، وليس وسيلة للكتابة او التنظير في خلق الله ! الله غير معني بكل ما اتى به الانسان من مظاهر وأفكار وتعقيد وقوانين وضعية ، هذه هي رؤيا اذا ماصحت فان تجاهلها من الكثير جعلهم يخطئون في ان يخترعوا له نداّ قادرا على اغواء عباده !! واصدقاء واقرباءوأبناء وموظفين وجلادين !!كما جعلهم في موضع البحث عن معجزات واهية لاثبات وجوده الذي لايحتاج الى دليل أو وسيط أو عبد ضعيف زائل موهوم يدل الناس عليه ! وللرؤيا بقية .

3
ولكن
في اليوم العالمي للغة العربية
شكرا لله سبحانه وتعالى لانه جعل كلامه بلغتنا العربية ، لغة عنترة وامريء القيس وزهير ابن ابي سلمى ، لغة الشعر والفصاحة والجمال . وشكرا للإسلام ونبي الإسلام الذي أبلغنا بما ابلغه به الوحي الجليل بأن لغتنا العربية هي لغة أهل الجنة وأن جميع لغات البشر ستتلاشى لينطق خلق الله العربية جميعهم يوم الحشر الموعود . ولكن ،هل من المعقول أن يختطف الدينُ اللغةَ العربية ، وأن يشترط على كلِ متحدث بالعربية أن يكون مسلماً ، وكل من يكتب بالعربية أن يكون إماما اوعلى من يتعلمها أن يؤمن بما جاء به الاسلام حصراً ؟ هذا الامر المفزع الذي يروّج له بعض مفتولي العضلات الدينية جعل من اللغة العربية التي خصها الله لغةً لجلالته، جعلوها محرابا مقدسا حرمها من التطور والتشعب ومواكبة الحياة المتغيرة في مصطلحاتها وعلومها ، حتى بات من يتحدث العربية العتيقة باتقان وكأنه يكشر عن انيابه بالوعيد والثبور، وجعل ابناءنا الذين يدرسونها، يتعلمون مالا ينطقون ، ويحفظونها دون أن يفهموها، لان أمثلتها جميعها من الدين الاسلامي حصرا.
هذه المعضلة واجهت يوم امس الاول مؤتمرا علميا عقد في لندن للمدارس التي تدرّس اللغة العربية ، تمت دعوة عراقيين وعرب من ديانات مختلفة له ، لكنه تحوّل الى عزاء من قراءة القرآن وحث الطالبة المسلمة على الحجاب في صغرها ، وغيرها من الامثلة التي اعطت انطباعا بان المؤتمر مؤتمر اسلامي وليس تجمعا للتعريف باللغة العربية في يومها العالمي.حتى انبرت اصوات من الحاضرين عراقيين وعربا غير مسلمين بالاحتجاج : لماذا دعوتمونا الى تجمع يتحدث عن لغة لاتعنينا ، لانها ليست لغة العرب ، بل لغة المسلمين فقط ، وان اهم اهداف من يتعلمها هي ان يقرأ القران فقط !!.
ان احياء اللغة العربية الحقيقي هو في تحريرها من كونها لغة دينية مقدسة ، كي تجد سبيلها الى الشعوب الاخرى، لغة امتدحها من تعلمها من الاجانب ، وانبهر بشاعريتها السامعون والمنشدون من كل صوب ،لان تحررها من القداسة سيمنحها فرصة ذهبية في ان تتحول الى لغات عملية يومية حية كما هي اللاتينية التي انتجت لغات العالم جميعها . كما ستحرر الطلبة الصغار من انطباعهم بانهم يتعلمون لغة النار وسلخ الجلود وحك ايدي الاطفال بالحجر اذا ما اخطأوا ، فاللغة العربية ليست لغة رعب ، انها لغة الجمال والشعر والحب ، لغة الله.

المقال السابقالمرأة وعملية بناء السلام
المقال التالىمن لا يغسل القدح يتحمَّل ثُقل القارورة
عبد الحميد الصائح شاعر وصحفي وناشط في مجال حقوق الانسان .مواليد الناصرية جنوب العراق - يقيم في بريطانيا.. اصدر عددا من الكتب في الشعر والمسرح وله كتابات في النقد والصحافة كما قدم برامج سياسية وتلفزيونية تعنى بالشان العراقي . درس المسرح في كلية الفنون بجامعة بغداد والاعلام في الجامعة الامريكية ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد