شيعة العراق .. ظروف التشكل والتحديات

 

شيعة العراق .. ظروف التشكل والتحديات
مراجعة منصفة لتاريخ التشيع في العراق

مراجعة المدونة الاسلامية منذ وفاة النبي محمد الى يومنا هذا كفيلة بان تكشف ازمة التشيع العقدية والاجتماعية التي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

اولا :عاش أبناء هذه الطائفة الاغتراب باقسى صوره بين (الذاكرة القيمية المثالية )المستوحاة من شخصية الامام علي وأبناءه بوصفهم اشرف مصادر الهام الوعي الشيعي، وبين واقع يمارس عليهم ابشع أشكال القمع والاتهام والاقصاء، لذلك اتصور ان الشيعة العراقيون لن يهضموا المواطنة الا عبر برامج تأهيل اجتماعي تأخذ بالاعتبار هذه الذاكرة المرهقة والمستلبة.

ثانيا: في عام ١٥٠١م اي قبل حوالي ٥١٠ سنين تم اعتماد المذهب الشيعي الاثنا عشري كمذهب رسمي للدولة الصفوية التركية في خراسان، ويلاحظ ان اغلب علماء الشيعة ومراجعهم قبل هذه الفترة كانوا من العرب العراقيين واللبنانيين والبحارنة والحجازيين، وتعتمد مدينة النجف وقبلها الكوفة والحلة كأهم مدن العلم للشيعة الأمامية فيما تم اعتماد مدينة قم ومشهد الإيرانيتين فيما بعد، والملحوظ ان اغلب المراجع الدينية للشيعة أصبحوا من الفرس، وهذا ربما يعود لقدرة الفرس على الصبر في طلب العلم، وامتيازهم بالعفة والزهد والانقطاع لطلب العلم، مضاف الى ان الموارد المالية للطائفة اغلبها من بلاد حائك السجاد، مثل الخمس والزكاة والصدقات والهبات والموقوفات ويدل على ذلك المدارس الدينية القديمة في النجف وعمارة العتبات الشريفة للائمة، هذه بعض اسباب فقدان العراقيين الزعامة الروحية لصالح اخوتهم الشيعة الفرس، بالاضافة لخسارتهم الزعامة السياسية من عهد الامام السّبط الحسن الى قيام الدولة الحديثة، الامر الذي عمق شعورهم بالاغتراب واسهم في تشضيهم بين تيارات اليسار والقومية فتعاظمت أزمة الهوية المحلية لديهم، فالأول اممي ومرجعيته ماركسية، مصر وسوريا لاسباب تتعلق بانهيار الخلافة الاسلامية فجأة دون وجود نظرية محلية بديلة.

علما ان الشيعة في العراق من مكونات متعددة أهمها العرب والكورد الفيليين والتركمان والشبك وبعض الغجر والسود .

ثالثا :يستوطن الغالبية العظمى من شيعة العراق في المناطقة الزراعية وسط وجنوب العراق ويعتمد غالبيتهم على الزراعة وتربية المواشي وتوصف الشخصية الشيعية العراقية عادة )بالشروگية( وهم سكان الاهوار الطيبين الكرماء، المحرومين من ابسط حقوقهم في التعليم والرعاية والحياة الكريمة، وما زلت اذكر ان اغلب اهلنا في ميسان والبصرة وذي قار ياتون لبغداد لمراجعة المستشفيات او مراجعة الدوائر الرسمية رغم بعد المسافة وقلة ما باليد، وذلك لان الحكومات المتعاقبة عمدت لتهميش هذه المدن وحرمانها من المعالم الحضرية مثل المستشفيات والمدارس والمعاهد والجامعات والمنشأة الصناعية والدوائر الرسمية القادرة على توفير الخدمات اللازمة لهم، لذلك تجد مراكز هذه المدن العريقة والعظيمة بتاريخها وأصالتها لم تكن سوى مراكز قروية بالحقيقة ليس الا!!

وهذا الى عهد قريب نسبيا ويشمل اغلب المدن والمحافظات العراقية عدا بغداد ومركز البصرة ومركز نينوى، و باقي المدن غارقة بالبؤس والهوان، لذلك كان الشيعة يركزون هويتهم في الزراعة ويعرفون أنفسهم من خلال العشيرة، لانها الحاضنة المباشرة والأكثر تماساً واستيعابا لهمومهم ومعاناتهم، وهذا بظني يعود لانعدام الحياة السياسية بشكلها الحزبي المؤسسي.
كذلك النشاط الثقافي والعمل التربوي والتعليمي بشكله المؤسسي واتساع الهوة بينهم وبين مرجعيتهم الدينية ومن ابرز ملامح غياب الدور المؤسسي للمرجعية الدينية في هذه المناطق ان القرى لايوجد فيها مساجد او حسينيات، الا ما ندر وفي مراكز القرى عادة وهذا مناسب لطبيعة الحياة الريفية وقسوتها، علما ان الاهوار كانت خالية تماما من اي مسجد او حسينية، وفي الغالب كان زعماء العشائر والقبائل يستغلون أبناء عشائرهم ابشع استغلال من خلال إقطاعيات ظالمة تعتاش على عرق هؤلاء المظلومين، وتمثلهم امام المرجعيات المعنية سواء الحكومات او المؤسسة الدينية، ويستبدل شيوخ العشائر الاقطاعيين عادة علماء الدين ب(الملالي )وهم رجال دين فطريين يعيشون على الخرافة والدجل والشعوذة والكذب عادة، وهم أميون غالبا ولائهم لشيخ العشيرة الاقطاعي هذا ويشرعون له افعاله الشنيعة ويبررونها ويغرقون الناس بمزيد من الجهل والتخلف.

رابعا :أودّ ان استعمل مصطلح المجتمع الديني بتوصيف الشيعة الذين يسكنوا جوار العتبات الشريفة (النجف ،كربلاء ،الكاظمية ،سامراء )وذلك لان سكان هذه المناطق يعيشون حول هذه الأضرحة المباركة وأجواءها الروحية العظيمة وتتمحور هويتهم ومصالحهم ويتم تعريفهم بالنظر لهذه المعالم، وبتصوري ان هذا المجتمع مبني بشكل هرمي سليم، فالضريح يمثل راس الهرم والمرجعية الدينية هي المتجسد البشري لهذه الرمزية الكبيرة، وهي الحلقة المباشرة للضريح، وتليها الحوزات والمدارس الدينية، وهكذا نخب الثقافة الدينية من أدباء وشعراء وكتاب وحرفيين، وتمثل العشائر قاعدة الهرم الرصينة، وهنا يجب ان نبين ان عشائر المجتمعات الدينية تختلف نزعتها الدينية تماما عن عشائر الوسط والجنوب (وهنا احاول ان أعطي توصيف غير توصيف شيعة العراق وشيعة الدولة المتداول في دراسات السيسيوانثروبولوجيا )فهي تعبر بشكل اكثر وضوحا عن نفسها دينيا ومذهبيا، ورموزها (المباشرون )هم الأئمة وتراثهم ومظلوميتهم، فيما رموز عشائر الوسط والجنوب (المباشرون )زعماء عشائر مثل (بدر الرميض ومحمد ال منشد وفالح الصيهود وغضبان البنية وزامل الساعدي وكاظم السدخان وشواي آل ازيرج وعبد الله الياسين وخزعل الكعبي ووو الخ عشائريا، وسيد سروط وسيد شمخي وسيد مالك وغيرهم دينيا )وتمتاز هذه المجتمعات بالنظرة الفوقية للشيعة المعدان والشروگية والحق ان المجتمعات الدينية هذه اقرب لوعي الهوية وفهم تحدياتها من شيعة الوسط والجنوب الذين يدفعون ضريبة ولائهم وتشيعهم غاليا .

خامسا :وهنا ارغب ان أسلط الضوء بشكل مختصر جدا على دور المرجعية الدينية في الحفاظ على الشيعة وصياغة هوية جامعة لهم، لان تصدي أئمة الدين ومراجع الطائفة الشيعية للوظائف العامة في ظل أنظمة تشبه الى حد كبير تنظيم (الدولة الاسلامية )في العراق والشام داعش اليوم، في تعاملها مع الأقليات عموما والشيعة بشكل خاص، الا في بعض المفردات غير الجوهرية بالحقيقة، ان تصدي هؤلاء الافذاذ لممارسة دورهم في القيادة الدينية والإفتاء والتأليف والدفاع عن هوية الشيعة المذهبية وإصرارهم على البقاء جزء من جسد الأمة الاسلامية، رغم كل حملات التشويه والتكفير والتضييق، خلافا للدروز والإسماعيلية والبهائيين وغيرهم كثير من المذاهب التي أعلنت نفسها أديان مستقلة او هكذا تم تعريفها وتسويقها، ليس بطولة فحسب وإنما شكل من العبقرية والحكمة التي تستحق دراستها وتحليلها بعمق، ولكن لا شك ايضا ان الاثار الجانبية التي فرضتها هذه المسؤولية حفرت لها موقعا في قلب التشيع، حتى نقل عن الامام جعفر الصادق قوله (التقية ديني ودين آبائي ،من لا تقية له لا دين له )والتقية ان يخفي الشيعة عقائدهم وممارساتهم التي تستفز نظام الحكم الديني المستبد الفاسد، ويفعل مثل ذلك اغلب علماء الدين الذين يختلفون عن دين الخليفة، سواء كانوا سنة او اقليات دينية اخرى .
ولكن على الرغم من ذلك استطاع علماء الشيعة ان يتركوا تراثا متواصلا غير منقطع الى اعلام الشيعة ومراجعهم بشكل متسلسل وهذا لعمري الله يدعوا للتعجب والإعجاب !!
ولكنه في الوقت ذاته استلزم عليهم مدارات عوام الشيعة في تفاصيل كثيرة، جعلتهم يتوسعون في التعبير عن حبهم لأهل البيت، حتى تصور بعض العوام ان حب اهل البيت وولائهم غاية لا وسيلة يرتجى منها احراز رضوان الله سبحانه، وضمّن الشيعة طقوسهم الدينية كمٍ هائل من الاعتراضات السياسية، والرموز الاحتجاجية، وهذا واضح في طقوس الزيارة، وتعظيم شأن الامام الحسين وثورته وزيارته وذكرى مقتله بشكل مختلف عن سائر الأئمة الآخرين، بما فيهم الامام علي والامام الحسن..

سادسا :عاش الشيعة خارج دائرة العمل السياسي بل والوظيفي في مؤسسات الدولة ايضا، لاعتقادهم ان المشاركة في الأنظمة المستبدة والظالمة فيه اعانة على الظلم وتشجيع للظالم، وهو امر المخالف لروح التشيع، ولكن هذا لم يمنع قبول الامام الرضا ثامن أئمة اهل البيت ولاية عهد المأمون العباسي، ولم يمنع الصاحب بن عبَّاد البهلولي ان يكون وزير الدولة العباسية واحد اركانها، ولو ان مخاوف الشيعة من لوثة التاريخ الذي تورطت به دولة الخلافة الاسلامية مبرر، فان اصرار عدد من الكتاب لاتهام ابن العلقمي الشيعي وزير المستعصم بالله العباسي، والخواجة نصير الدين الطوسي بالتآمر مع المغول وإسقاط الدولة الأسلامية، يوحي بمدى عنصرية كتاب تاريخ العرب والمسلمين في صدر الاسلام الى الان، اذ يتناسى هؤلاء انشغال الخليفة بفساده ولهوه وإسرافه في اذلال الناس وتجويعهم، فيما كان هولاكو يستبسل في سبيل مجد المغول !!!

وينبغي ان لا نغفل ان التراث الشيعي مبني على مقولة الإمامة السياسية للأمام علي وان الخلافة الاسلامية خارج إطار امامة اهل البيت باطلة ومغتصبة، وهذا يؤشر بوضوح ان التشيع في نشأته الاولى مذهب سياسي، وان رفض الشيعة الاعتراف بشرعية الحكومات المستبدة والجائرة أموية كانت ام عباسية ام غير ذلك إنما يمثل نزعة اخلاقية مشابهة لفلسفة الامام علي في الحكم، والتي انتقدها البعض بداعي ان عليا لا يصلح للحكم لانه شخص مثالي ذو نزعة اخلاقية، والحق ان وسم الشيعة بالرافضة بناءا على ذلك من دواعي الفخر!
غير ان هذه النزعة كلفت الشيعة الكثير ففي الوقت الذي يملكون القدرة على ممارسة المعارضة السياسية على امتداد (1,426 سنة )اي من عام (١١للهجرة )الموافق (٦٣٣م) بل واستطاع الشيعة ان ينجحوا في إقامة اكبر وأعرق مهرجان للاعتراض السياسي، من عام (٦١ للهجرة )العام الذي قتل فيه الحسين على يد شمر بامر من يزيد بن معاوية الى الان، اي ما يقرب من (1,376 سنة )حتى أخذت تقاليد الشيعة في ذكرى عاشوراء تحفر في الهوية الشيعية عميقا، الى ان أصبحت جزء من عقيدتهم، بل ان الشعائر الحسينية العاشورائية هي روح التشيع المتجددة في كل عام، وصدق بعض علماء الشيعة حينما يصف الشعائر الحسينية بأنها هي التشيع، وتردد على ألسن الشيعة قولهم (الاسلام حسيني البقاء ..)
ولكن إقامة الشيعة على معارضة السلطات أضعفت فيهم القدرة على ممارسة الحكم حتى بكاد يجد الباحث في تراثهم شي يسهم في ثقافة سلطة او أدب دولة !
رغم ما لديهم على الصعيد النظري من تراث قيمّ في اخلاقيات الحكم والحقوق مثل رسالة الامام علي لمالك الأشتر حينما ولاه مصر، وكذا رسالة الحقوق للأمام زين العابدين علي بن الحسين وغيرها، لكن كل ذلك يعزز النزعة الاخلاقية في العمل السياسي.
وهنا أظن ان السؤال البديهي سيكون عن تجربة الحكم في ايران الاسلامية وكذلك الأحزاب الشيعية في العراق، وبظني ان تجربة ايران تنتمي في جذورها وروحها لثقافة الفرس في إدارةالدولة، ولو تركت للمتن الشيعي العام لما حققت شي من معنى الدولة، وأما الأحزاب الشيعية في العراق فإنها تريد ان تُمارس نهجا امويا ثأريا فاسدا ظالما، ولكن بروح علوية حسينية، الامر الذي لن تتمكن منه قطعا، لذا فهي تتخبط تخبط عشواء للاسف، ولو عملت هذه الأحزاب بوصية المرجعية الدينية العليا الممثلة بالإمام السيد السيستاني عندما وجه بقيام دولة مدنية علمانية الروح ودينية القيم والاخلاق، لكان الحال غير الحال بكل تاكيد.
تلخيصا لما تقدم ..
اعتقد ان هذه السطور المختزلة بشكل لا يخلوا من غياب الدقة في بعض مفاصله، تهدف لتعميق النظرة الى الشيعة في العراق وطبيعة تفكيرهم ومعاناتهم، واهم التحولات التي عاشوها، ليتفهّم المتابع اخطائهم واخفاقاتهم في العراق ويكون الحكم عليهم اكثر انصافا.

المقال السابقكيف تصبح مسخاً
المقال التالىمستقبلنا المشترك
يث التميمي باحث وكاتب عراقي يعيش في بريطانيا ولد في مدينة الكاظمية على شواطئ بغداد أكمل دراسته في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، تخصص في مجال دراسات الفكر الاسلامي، رئيس المركز العراقي لإدارة التنوع، عضو الجمعية العلمانية العالمية، ناشط مدني وسياسي، لديه عدد من الأبحاث والدراسات واللقاءات التلفزيون....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد