الموت الرخيص في وطن غالٍ


 

* البحر أوسع ما يكون و أنت أبعد ما يكون
عندما تحب وطنك فانك تحب نفسك وناسك وذكرياتك وصولاتك وجولاتك وأنت تحيا في بقعة التراب التي ولدت فيها .. يتغلغل فيك الفرح وتهيمن عليك العاطفة .. تتوق اليه وأنت على ظهر ترابه أو بعيدا عنه .. ولكن هل الوطن فرح بأبنائه ؟
كنا نقرأ النشيد الوطني ونتسابق على حفظه ، كنا في عمر مبكر نقف في ساحة المدرسة واثناء رفعة العلم العراقي ننشده ونتفاخر باننا ضمن فرقة الانشاد وفرقة رفع العلم ، وتقام مراسيم رفع العلم على السارية كل يوم خميس وفي جو مهيب .. الجميع يقف في لحظات تقترب من الخشوع للراية التي تعتلي السارية مرفرفة في سماء المدرسة وكأننا انتصرنا في حرب ضروس ونبتهج ونفتخر بهذا الانتصار .. وغدا يوم الخميس يوم رفع العلم يوما مهيبا واصبح مقدس لدينا ..
لقد كبرنا وكبر الوطن فينا .. رغم الفاقة والعوز الذي يصيبنا لم نكن نشكو بل كنا فرحين سعداء في عوزنا وترفنا ونعد الوطن خطا أحمرّ .. صغار كنا فكبرنا وكبر الوطن فينا .. كبر حبه واتسعت مساحة حبه في قلوبنا وضمائرنا حتى صار الوطن مزدهرا بالحب والتضحية وعدم الشكوى ..
ساقونا لحروب الوطن ونحن في مقتبل أعمارنا ، نفديه بكل شيء، كيف ولا وهو الروح التي تسكننا والرحم الذي يؤوينا وسِفر ذاكرتنا .. متنا واحدا تلو الآخر ونحن مبتسمون .. نموت ونموت من أجل وطن مبتسما وسعيدا بموتنا وبجثثنا العائدة الى رحمه ، غير متأسفين على موتنا وعلى زهو عمرنا الذي أفديناه به (وطننا الأم ) .
تَسابَقنا بالذود عنه منذ الصغر ونتسابق لحماية الرحم ، نموت من أجل رايته كي تبقى مرفرفة في سمائه .. نموت من أجل لحمة أوصاله .. نموت من أجل أن تبقى حقوله خضراء وأنهاره متدفقة بخرير مائها وعذبها .. نموت من أجل طيور الوطن كي تبقى تلهو في سمائه وتزغرد في بساتينه ..
نموت كي تبقى الشوارع ضاجه بالحياة وتبقى أبواب المدارس مشرعة لأبنائها .. نموت من أجل أن يتعلم الصغار كيف يحبون يوم الخميس ويحافظون على قدسية مراسيم رفع العلم .. تقاليد ورثناها وأورثناها لهم ..
موت كثير خلفه الوطن ومعوقون ومفقودون لا حصر لهمومشردون بلا عدد .. عوانس وأرامل ويتامى ومدن مدمرة .. هي حصيلة حروب الوطن دون ندم وأسف على ما فقدناه وبذلناه من أجل ترابه وذراه وهوائه وعيون سمائه ..
ما أن استرحنا كموتى ومقاتلين وحطب حروب ، سألنا الوطن هل من خبز نأكله ؟ وهل من ثمة دواء نرمم به أجسادنا وأشلائنا المكلومة .. ؟
الصبر ذاق المرّ منا .. فهرب وتركنا للجروح .. للمرض .. للجوع للعراء .. للخوف .. المتباهون فينا وبما بذلناها من أجلهم باسم الوطن تخلوا عنا .. نحن الحطب .. الرماد .. الشهداء المغيبون .. هم زادهم المنّ والسلوى وحواري العِين .. ونحن زادنا الشهادة والموت الزؤام والتشرد .. لم يتركوا لنا فرصة أن نلملم أشياءنا .. أسفارنا .. طبول الحروب ما زالت تقرع في آذاننا .. لم يدركوا اننا بتنا أشلاء وأرواحا زهوقة في أجساد متهالكة .. كل من يأتي يتاجر بحبنا للوطن .. حتى الحب بات سقما في جنات الوطن ..
تَرَكَنا الوطن بلا مأوى ودواء للمرضى .. المحبون لأوطانهم .. صاروا يقفون طوابيرا على سفارات الدول يطلبون اللجوء .. بل الهروب من جهنم الوطن .. الوطن الحرب والمنفى والسقم .. المحبون لوطنهم يبيعون بيوتهم وأشياءهم كي يسافرون لعلاج مرضاهم أو يداوون جرحى الحروب والبطولات ، هل البطولة توازي تأشيرة سفر لبلد آخر يمنحنا العلاج أو الاقامة أو اللجوء .. ؟ ابناؤك يا وطن ينفقون كل شيء من أجل علبة دواء وأموالك تهدر ونحن بلا مشافٍ أو مبانٍ أو دور سكن ..
…………………
• اشارة الى قصيدة بدر شاكر السياب ( غريب على الخليج )
• 19 ك1 2017

لا تعليقات

اترك رد