ما العمل – ج 1


 

تتخلف الأمة العربية كثيرا عن الحضارات الأخرى، فبينما كانت أوروبا ترسل وفودا للتعلم بمدارس المسلمين بالأندلس، هاهم يتقاعسون وينامون لحوالي عشرة عقود، صنعت من خلالها الحضارات الأخرى المعجزات وتربعت على عرش الحضارات المتطورة. بينما لا زال العرب يتقاتلون من أجل كراسي الرئاسة أو حدود وهمية صنعها الإستعمار لفرض البلبلة والتشتت، وها هم العرب رغم ثرواتهم التي لا تحصى فهم لا زالوا رجالا بدائيين لا يهمهم إلا النساء وتبذير الأموال في الحفلات والنزوات، فيا ترى ما العمل لنصحو من جديد وسط هاته العقليات المتعفنة والمتحجرة؟

تعود معرفة الإنسان للكتابة إلى ما يزيد على ستة آلاف سنة، أما العلم فقد تواجد كعامل محدد في تقرير معتقدات المثقفين منذ حوالي ثلاث مائة سنة في حين أصبح مصدرا للتقنية والتطور الصناعي والاقتصادي منذ ما يقارب مائة وخمسين سنة. في هته الحقبة الوجيزة برهن العلم على قوة ثورية و قدرة هائلة في تغيير حياة ونمط الإنسان، ولا زال يفاجئنا كل يوم باختراع جديد.

وتتجلى تأثيرات العلم في أنواع متعددة ومتباينة فهي تأثر فكريا بشكل مباشر كتبديد العديد من المعتقدات الخاطئة وتبني غيرها، وكذا تأثيرات على التقنية الصناعية والفلاحية وغيرها من مناحي الحياة. كما أحدث تغييرات اجتماعية على الحياة العامة للإنسان وعلى السياسة وعلى المعاملات البشرية والسلوك الفردي والجماعي.

أظن أن الأنتربولوجيا الثقافية قامت بالدور المطلوب في دراسة الجنس البشري من كل الجوانب، فقد منحتنا حق فهم المعتقدات التي لم يكن لها أساس من الصحة والتي أثرت بشكل كبير في حياة الفرد لآلاف السنين، وأظن أن هذا العلم لم يقم بكامل واجبه في دراسته للفرد العربي وإشكالات حياته الثقافية والإجتماعية لتصحيح المفاهيم وإعادة قراءة بعض التصورات من أجل فهم الذات والمعتقد والكينونة.

في الفكر العلمي المحض يمكن للفرد أن يخلق ما شاء من التفاسير لكن عليه أن يثبت ويبرهن صلاح أفكاره، أما في الفكر العشوائي اللاعلمي فلا مجال لتقديم التفاسير المقنعة والمبنية على المنهج العلمي. إنه الإستبداد العلمي وهو يشبه كثيرا الإستبداد السياسي الفوضوي، إن المتتبع لمفهوم التطور العلمي يعي جيدا التغير الحاصل دوما أحيانا بالتناقض أحيانا أخرى بالتضارب، ولهذا السبب تعتبر الحقائق التي تم التوصل إليها علمية. كما لا يجب الخلط بين العلم والحقيقة المكتملة، والسبب يرجع إلى ما لا نلاحظه من فاعلية غير واعين أنها فاعلية متطورة أي من تقدم إلى تقدم أفضل.

فالتغيرات التقنية والفكرية والإشكاليات العلمية هي في تغير دائم عكس ما يظنه البعض أنها مرادفات للحقيقة أو للثبات الدائم، بل تضل ناقصة ومبتورة ومتطورة دوما. كما أن الفكر الإستبدادي الذي عشناه لعقود هو من ولد لنا فكرا استبداديا جامدا، الذي يرفض الفكر الآخر والرأي المغاير ويحاول إخماده بكل الطرق والوسائل.

فالإنسان لن يكون ديمقراطيا ما لم يتصف بخصائص الفكر الحر العلمي ولم يتعلم قبول الفكر المخالف والتفاعل مع التغيرات والإبتعاد عن استعمال وسائل القوة كحل لكل الصراعات الفكرية والسجالات الثقافية.

قد يعارضني البعض أن بعض الأنظمة السياسية الإستبدادية قد طورت العلم وساعدت على انتشاره، إلا أن حقيقة التحرر كل لا يتجزأ، وسيجد هذا النظام نفسه آجلا أو عاجلا أمام فكر تغييري وطرق تفكير جديدة لن تتماشى ومعتقداته وركائزه وسيحاول القضاء عليها بأبشع الطرق.

يتبع

1 تعليقك

  1. صدقت اخي عبدالله العبادي التحرر لا يتجزا ،ولابد من مواكبة المتغيرات العلمية والتقنيةلإسترداد عافيتنا السياسية والإقتصادية والحضارية والثقافيةبدلاً من ان تظل بلادنا التي كانت مهد الحضارة الإنسانية تابعة وقلدة ومستهلكة

اترك رد