في البحث عن سينما جادة


 
الصدى-سينما-جادة

” منذ سنين ،وأنا أبحث عن أثر سيمي يعبِّر عني وعن جيلي وعن آخرين… لقد أنهكني المشهدُ المفبرك ”
من لقاء مع الممثل ومصمم الرقص الحديث الأميركي ( بـيل شانـون )

إن تقنيات ومحدثات سينما اليوم بالإضافة الى شمولية العمل الداخل في مراحل الإعداد والبرمجة الدقيقة لأصدار الشريط السيمي المتفرد، مع التخصص الدقيق لشخوص وعناصر الرصد السيمي ، تلك التي ظهر بها علينا جملة من المخرجين المحدثين ، ممن ألـمّوا بخاصيّةِ الإبداع السينمائي، المتمثّل بالمقدرة على خلقِ عمل سينمائي متميز لكونه يخاطب عدة شرائح اجتماعية وبصفته موجها إلى أجيال عدة ، فتكون الذروة فيه لمجمل جزئيات العمل وبما يحمل ويحتمل الكثير من التأويلات تجاه النظرةِ الجديدة لحيثيّات ومتغيرات الحياة المعاصرة، وهو أمر يذكر بالثورات التي قام بها رواد سينما الأمس ، الذين كان دأبهم التعامل مع الجديد والنادر المتفاعل في بنية الخطاب الدرامي، كما ذهبت الى ذلك أفلام السَرْدِ التأريخي الأولى التي سبق الإشارة إليها والمحاولات الكبيرة للفريد وستانلي كوبريك وعبر الشيخ جو هيوستن وصولا الى المتفرد ستيفن سبيلبيرغ.

يعد فلم الإنتاج المعجزة ( تيتانيك) – (Titanic ) هو واحد من الأفلام التي إستطاعت أن تتعامل مع الحدث التأريخي المبسّط وبطريقة أحالت المأساة الواقعية الى ميلو دراما ذات سبك حداثوي بارع ومتفرد، فيما عملت تقنيّات الإحاطة الشاملة على حصر المشهد المعاصر ودعمه بالموروث غير المؤدلج تأريخياً إلا من النـزعات الإخراجية المحدثة وعلى كل المستويات ، الصوت ، الموسيقى ، جنبا الى جني ميزانسين الخلط داخل المحتوى المسرحي هنا ( السفينة الغارقة).

لقد استجابت الخطوط العريضة لمحور الفلم الذي أعد بطريقة النمذجة والإختيار المسرحي وعبر العمل الدائب الوثّاب في ( ستوديو ) التصميم الشامل وهي سابقة تأريخية بدأت في القفزة النوعية لأفلام سينما اليوم المتمثِّلة بأفلام الفضاء والخيال العلمي، حيث أصبحت هذه التقنيات الموجهة والمتطورة والملفتة للنظر، وسطاً حراً لفكر الإخراج الدؤوب ومتنفساً للإبداع المعاصر المتمثِّل في التصميم الأولي التقني على جهاز الكومبيوتر مبدئياً، ومن ثم يصار الى نقل معالم العمل في تفاصيله الدقيقة الى الوسط الآخر وعبر المونتاج التقليدي والذي سيمثل تفاصيل الديكور المقنَّن والمسند بإجتهادات اللـيـزر وإبتكارات ادارات الرصد التصويري الذكية، وهو ما ذهب إليه مخرجو الإعمال التأريخية عبر تهيئة المناخ السينمائي سلفاً ونقل معالم الحدث حيةً وبلمسات من أزرار الكومبيوتر المعد لهذا الغرض ، وقد مازجت موسيقى (تيتانيك) – (الجبار)، بين التأريخية الخِصبة لروح الإنسان وهو يتطلّعُ الى حلم الانتصار على شساعة البحر ومرارة حقيقة الغرق المطلق وبذلك المركب الهائل (الإنسان مبحرا)، وهو ما يذكر بلوعة الفيلسوف الألماني – هيغل – وذلك عند إرتباكه التعبيري لمرئى الخشب العائم – على انه الإنسان طافيا – كناية عن المقدرة الهائلة لروح الإنسان المتحركة والهائجة وتلك التواريخ التي تنسجها ذاكرة امرأة، وهي تعيش أسمى لحظات الحب المجهول في أشد اللحظات إقتراباً من فوهة الموت المطلق والأزرق، في بحرٍ، راح يجبـرُ الأحباب والخلان على الوداع السريعِ والنزوح الصارخِ وسط أمواجه الجزئية – داخل نسق الموت – ( القارب ) والشاملة في نسق الخارج البحري – وكلا النسقين يمثلان البنية الأم – الإنسان محاصرا – والتي آثر الإخراج عبـرها الى تتويجَ نوازع العبث والنوايا الإنسانية الضاجّة وبما يضعها في ضمن دستور الرحيل الإجباري، وكل ذلك يحمل كما من الأبعاد المتنافرة ضمن ذات المشاعر والإرهاصات وتقلبات الرؤية الإنسانية، التي إستطاع المخرج الفذ فيها أن يمزج بين رهافة ونبل الرجولة المتجسّدة في الشابّ الرسام والهائم بحراً ( ليوناردو دي كابرياني ) ، وهي قفزة يحققها الإخراج الحديث الذي عانى كثيراً من وطأة التواجد السطحي للبطل الهلامي وفق الإزدواجية المملّة لمزاجية الإخراج في الإسراف الدموي والتقاتل اللاواع ، وان عدّت بعض التجارب المنقولة عن إبداعات السرد الروائي لأيام العرض السيمي الأول نهجاً متفرداً في قدرتها على الإيصال العميق ومغازلة فنطـازيا اللامعقول آنذاك.

ان الجانب الآخر من (تيتانيك) يتمثَّل فيما أبدعه المايسترو البارع (كريستوفر) الذي إستطاع وبعد فترة زمنية وجيزة في العمل مع فريق الأغاني الأكثر نجاحاً من فرق الهادروك في العالم (ميتـاليكـا) – (MITALICA ) ، وذلك بإحالةِ اللَّحن وتوظيفه ليتناسب مع التأويل الباطني للذروة الموسيقية ، على حد تعبيره ، وهو الأمر الذي جعله يحقق نبؤة النجاح في (تيتانيـك) وجعل المطربة الكندية (سيلين ديون) تشدو بأغنية فصول القلب الجريح والمستمر في الحب الى أبدٍ غير مقترن بهدف أو حقبة محددة من الحقب الزمنية الهائجة ، إلا ان الثورة الحقيقية تتجسّد في نقل المعرفة المعاصرة الى الشاشة الفضية ولتذهب ورائها الآلاف من النواظر المتطلعة الى رؤية البطل الجديد مجسّداً في الدراما الهادفة دراما اعادة النظرة الى الحياة – الى حد ما وليغدو علامة من علامات الجذب الجماهيري لواجهاتِ المحلات التجارية ومزيناً لأجمل وأغلى الصدور الرجالية والنسائية للأزياء الشبابية العالمية، كرمز للإنطفاء والتراكم السادي في حلم الإبحار الموؤود، ولما تقترحه وترتإيه أطُر وطروحات خطاب الوعي الفني المعاصر، في ضرورة التزامن الخلاّق بين المرئي والمعاش، – وهي قدرة على الخلق الأقرب الى روح الإبداع السيمي والأبعد عن إرهاصات النبر المتعالي الذي أفرزته سنوات السينما في تأريخها الأوسط، كما في بوليسيات ومغامرات جيمس بوند واحباطات البطل المنتصر دوما – طرزان وغيرهم من الأبطال البدائيين – وقد كان نتيجة هذا التكتّل الفني المتجاوز أن منحت العديد من جوائز الأسكار والجوائز التقديرية للإنتاج والإخراج والتمثيل والموسيقى والتوزيع والأزياء والغناء والمؤثرات المستقلة والديكور الأخّاذ

وعند حقبة زمنية مقاربة ، يقف الفلم المعجزة (أساطبر السقوط) – (LEGENDS OF FAIL)، في مقدمة الأفلام التي أعادت الى الإذهان ذلك النمط من النقد السياسي المبطن واللاذع وتلك الطبيعة الشاذّة التي تكـوَّنَ أو يكونُ أو من الممكن أن يكون عليها رجال السياسة ، ممن يمتهنوها لغرض العبث العقلي الجماهيري ، وهم ينسون أو يَـتناسَون رجال الحروب الأولى وأبطال الجبهاتِ الخالدين ، وليقف في هذا الفلم ثلاثة من الأجيال الخمسينية والسبعينية والتسعينية المتآلفة ، ليعبِّروا عن المأزق الحقيقي لتراكم العبث الإيديولوجي اللا أخلاقي، وتلك الخاتمة الدموية التي تجعل الأخ المقاتل جنباً الى جنب مع الأخ السياسي ومع الغياب القسري للأخ الشهيد في الحرب العالمية الثانية ، وحضوره المتكامل والأجمل في أرملته التي كانت بمثابة الرمز المأساوي للأنوثة المصاغة من تعبِ الحياة وتلوّن الطباع العاطفية الماحقة مع الغضب الجارف واللا نبيل لرجال السياسة المدعومين برجال الشرطة وميزة القذارة في الإعتداء على الحقوق المدنية في الأماكن العامة ، وهو الأمر الذي يجعل من البطل التأريخي ولأول مرة في منظور التقمص المثالي ، مجرماً وسفاحا – مناضلا حرا وشريفا على غرار جيفارا – وهو يستعيد كوابيس الحروب الدامية في شوارع مدينة عادَ إليها الجميع ما عدا الضمير والعدالة والمستقبل الآمن من شرور نزوع الإنسان الغامضة.

إن واحداً من المع الأفلام التلفزيونية المعاصرة في الولايات المتحدة الأميركية وبالقدرات الفنية البسيطة لفلم العائلة الحالم (حياتي) – (My Life) وفيه يستعين المخرج الشاب ( أوستيرن) بإثنين من من ألمع نجوم الشاشة الفضية هما: (ميكل كيتـون) و الشقراء الأسترالية ذات الهدوء الصارخ (نيكـول كيدمان)، حيث أُعد هذا العمل عن قصة حقيقية من ملفات إحدى الممرضات الممارسات في مساعدة مرضى السرطان في البيوت ، وهم يعيشون او يقضون النـزع الأخير من حياتهم او مماتهم البطيء وبالجدولة والإحصاءات الطبية المنمقة والمهيأة للرحيل الذي قد يغيب ويستطيل ولكنه آتٍ وبلا ريب، إنها واحدة من مآسي التشبّث الإنساني العفوي بهذه الحياة المعاشة والمرئية على انها سجلات وارقام ومشاعر مؤجلة الفعل والتفاعل وحيث الدخول المفاجئ لشبح الموت ، الذي عادة ما يجئ دون إستأذان و دونما إشعار مسبق وهو ما جعل الموظف الشاب (ميكل كيتون) ، يحمل كاميرته الفيديوية المحمولة للذهاب في سفرٍ الى كل جزيئات حياته الماضية، وهو يتعامل مع الموت القادم على انه صديق قديم، وقد آن، بل لابد من أن يلتقيه، وكما في رهافة سيناريو الخوض الباطني – ان صديقنا الحميم (الموت) قد تذكَّرَنا أخيراً، ولذا ستكون رحلاته في سرير الزوجية رحلات قنص لتواريخ قادمة ولما تبقى من أيام يتيمة الوجود وسوداء الطالع وليس على طريقة – المريض الإنكليزي، فهو يذهب إلى تفقّد طفولته الماضية بطريقة السقوط الحر (الفرويدي) وليعثر برفقة حكيم الروحانيات الشرقي ، الصيني – كناية عن روح الشرق – على جزءٍ مما ترسّبَ في الداخل المنهار من شرور الماضي وتقلّبات الوجود المضطرب ، حين يخبره الحكيم بضرورة نيل الغفران فيصل الى ذروة الحدث في الجمع (العائلي – القبلي)، واستقدام عائلته السيرك له عند السرير الأخير هديةً متأخرة من الطفولة الصاخبة ومن الأم في إنتظار ان يموت طفلها الشيخ وهو يترك لطفلِهِ الذي تتزامن ولادته مع رحيل الأب عنه برفقة سرطان العصر وان ندهت (نيكول كيدمان) على ضرورة أن يموت في فراش الزوجية المقدس في فراشها هي وهو ما إنتهى إليه المقطع الأخير من الفلم متآمراً مع موسيقى (فوغـنر) الطليقة، وتلك القصة التي يسجّلها الأب لطفله على شريط الفيديو حول حيوان يرفض النوم فينام مرغماً آخر الأمر، أي آخر العمر، وبلغة السخرية المبطنة بالدموع وهي تعد قراءة للإتجاهات السينمائية المحدثة والماكرة حين تخرج بالأداء عن الثيمة الفاعلة عند الخطوط التي يسحب المخرج فيها وبكل ذكاء البساط من تحت أقدام نجمين لامعين ليتوِّج في الجانب الآخر سحر الذروة في تناغم درامي خالٍ من الدموع والترددات الحزينة والإفتعالات الطنانة، وهو فلم يعيد الى الأذهان فحوى المدِّ السينمائي الواقعي وحقيقة القدرة على تقديم شريط سينمائي متكامل الثيمة ومتجاوز الأبعاد في رسم حقيقة الصراع الباطني لأفراد وأناس من عالمنا اليومي، وهو يؤجج فكرة أخطر من ذلك عبر الذهاب الى الأصل الروسي الذي إنحدرت منه عائلة العليل يالسرطان، وكأنه في قمّة الصراع مع إيديولوجية أخرى لم ينـوهُ عنها وذلك لأنها ملك للمشاهد الثاقب النظر، وهو يشير الى حلبات الرقص الشعبي الروسي وذلك الشعور بالحاجة الى العائلة الأولى والمسار الأول الذي أشار إليه شاعر وحكيم الهند الأول – طاغور – بالشمس الراسخة.

إن من ميزات سينما اليوم هو النمطية القاتلة للعب بورقة الواقع عبر تحديث لغة الرمز والإحياء المتجدد لنواة الرغبة الإنسانية، وهي تدلف في اللبِّ من الصراعات الطبقية والقومية والإنسانية الشاملة والتي تتيح للمتلقي السينمائي القدر الأوفر من التفكير المؤدلج والجديد بعيداً عن حدود الرقابة والسلطات الخارجية المعارضة لخطاب الأنا الحقيقي والمغالب لإرادات أنوية المجتمع الأخرى.

لا تعليقات

اترك رد