الفن والعنف

 
الصدى-العنف-في-الفن

كان العنف كل ظاهره التاريخي من حروب وصراعات عنيفة، دلالة على الوحش الكامن، والذي يشكل جزءاً من استعداده البيولوجي، ولكنها هذه الدلالات أيضاً كانت جزءاً من ثقافات الإنسان الاول في صراعه مع الطبيعة وتأمين الحماية له ولوحدته الاجتماعية أسرةً كانت أم قبيلة أم مدينة. لكن التطور البشري استطاع ترويض هذا السلوك العنيف لصالح التصالح مع المحيط وبناء حضارة وصلت بسموها الفكري والإبداعي آفاقاً صار العنف فيها دلالة على البدائية، وعدواناً على العقل الذي صار المحرك الاساسي لنمو البشر. ورغم العنف الذي كانت ثقافة الحضارات الأولى، فإن هذا لم يمنع روح الابتكار والخلق لدى الإنسان لأن التعبير لديه كان حاجة رئيسية ثم تحول إلى ترف نسبي، ولذلك نرى في جدران الكهوف أعمالاً دلالية جميلة من الناحية الفنية رغم أن معظمها كان يوثق ويؤرخ ويسجل صراعات الإنسان مع محيطه.

الفن والعنف
في العلاقة ما بين الفن والمجتمع لا يمكن إغفال البيئة والمكان, الفكر والتفكير، وكلاهما يؤثر في الآخر. إن البيئة الطبيعية والمكانية تبعث برسائل للمتلقي, فحجم الكياسة التي تمنحنا إياها البيئة تنعكس على الانسان وتؤثر به, وحجم التلوث البصري يمنح الانسان بشاعة يضاف الى ذلك البيئة السياسية وانعكاسها على المجتمع حيث كلما زاد الاستبداد السياسي ازداد العنف والخوف والانكفاء، وهذا ما يغير من اللحظة الاجتماعية التي يعيشها الفرد حيث يصبح أحادياً بسبب التعميم الايديولوجي على المجتمع، وبالتالي يغير أيضاً من اللحظة الجمالية للمتلقي.

إن الدين يزيد من العنف الإنساني ليصبح مضاعفاً حين يتم تطويعه لخدمة الاستبداد. إنه أشد وأقسى لانه يمنح منفذيه غطاء دينياً لأن يكونوا أكثر ضراوة وقسوة وإلغائية. إنها أقصى البشاعة الانسانية، حيث لايمكن للثقافة والفن محاورة ذلك النسق من التفكير. في الوقت ذاته وعبر تاريخ الابداع الجمالي، استطاع الفن مواكبة الحدث العنفي وتجسيده فأصبح لدينا طرفان كليهما في الذروة: ذروة الجمال الذي يهذب النفس البشرية، وذروة العنف الذي يدمرها. الفن يرسل الجمال، والارهاب يرسل البشاعة مما يجعل الفن في زاوية حرجة ويضطره لاغتصاب الارهاب لأجل الجمال الإنساني.

يقول رامبرانت: لن يكون المجتمع عادلاً إلا إذا كان طافحاً بالجمال. تلك النبوءة تؤكد أن التجربة الإنسانية التي يكتنفها العنف والارهاب هي نتاج طور بشري لم يستكمل شروط وجوده، بل زاد على ذلك في اللعب على وجوده عبر السياسة والدين. إن وجود الإنسان في الفن قائم على العدل والحق الذي هو الجمال. إن الفن يسعى لخلق النسبة الذهبية للجمال الداخلي لدى الإنسان، لنقارب تلك العلاقة في حياتنا إذ قد نجدها في مشهد لقرى كثيرة في الجنوب الفرنسي مثلاً، حيث تمر في الدروب وبين البيوت وترى العمارة والنبات وأصص الورد، كأنك تعيش في لوحة جميلة. لايمكن لأي كائن في هذا المكان إلا أن يتسم بصفاته أو على الأقل أن تؤثر فيه, حيث ترى الابتسامة الإنسانية الأبدية، بالوقت ذاته تمر في العديد من القرى أو المدن في عالمنا العربي المتخلفة معماريا وجماليا ترى فيها حالة مغايرة وتأتي كلمة /المرحبا / خشنة وكأن داخلها قنبلة. بين الجمال والعنف علاقة جدلية ومتناقضة.

الفن، خطاب حضاري ضد العنف
ما من ريب أن الحربين العالميتين الأولى والثانية قد أثرت في الفن بشكل عميق بأشكال وتجليات مختلفة عبرت عن قسوة الإنسان تجاه أخيه الإنسان. فلقد تشكلت الانطباعية في فترة الحداثة، المدرسة الحالمة رفيقة الضوء والشاعرية، حيث كان روادها يصورون كما يغرد العصفور كما يقول مونيه. لقد أخذت الانطباعية باللوحة في اتجاهات عديدة شكلت من خلالها ثورة فنية آنذاك، في هذه اللحظة كانت تتشكل المدن الأوروبية عمرانيا وصناعيا وعلميا، وكانت عدة عواصم أوربية أبرزها باريس تشهد استقطاب ثقافي وثورة فنية وابداعية. بالتوازي مع ذلك، كان عالم السياسة يمهد للحرب الأولى 1914 الحرب التي خلطت أوراق الفن والفنانين بين مناصريها الذين رأوا فيها تطهيرا للبرجوازية، والهاربون منها والناجون ومن قتل فيها. تلك الحرب لم تغير المجتمع الأوروبي وحسب، بل غيرت مسار الثورة الفنية والابداعية وكان من أهم نتاجها المدرسة الدادائية التي جاءت بسخرية من الفن والمجتمع والإنسان وتاريخه الذي صنع تلك المأساة. إن الدادائية بدءاً من تسميتها العبثية وأعمالها الفنية مثل / الجوكندا بشاربين / و / المبولة / لمارسيل دو شامب تعكس استهزاء من تاريخ الفن والانسان، حيث يصبح اللا معنى هو موقف من العنف أو هي القدرة السلبية للفن كما يسميها غراهام كوليير, وهي انفلات من القدرة الجمالية في مواجهة الحرب التي أدت ايضا لانبثاق المدرسة الميتافيزيقية وغيرها.

الصدى-العنف-الفن
ولأن التاريخ البشري لم ينقطع يوماً عن العنف، فإن الفن لم يتوقف يوماً عن محاولاته ليكون البلسم الروحي، والموقف الوجداني ضد هذه المظاهر فعملية الإعدام البشعة التي جرت في إسبانيا ما زالت نقطة سوداء، لكن الفنان جويا حولها إلى لوحة (الإعدام رمياص بالرصاص) لتتحول هذه الذكرى إلى وقفة إنسانية تستدعي إشراقات العقل البشري ليكون ضد هذا التدمير. ومن هنا يكون الفن مشروعاً حضارياً بناءوياً يحاول أن يرفع من تحت الركام ما يمكن أن يكون مقدمة لحياة جديدة أكثر سلاماً وجمالاً.
ولو نظرنا إلى تجارب عربية مشابهة لكان لنا إطلالة على فن الجرافيتي الذي رافق التحول السياسي في مصر منذ سنوات قليلة حيث تنوعت هذه الرسوم والعبارات بصورة جميلة وتعبيرية تحكي ضميراً مجتمعياً يرفض الغنف ويريد الانتقال إلى أيام أكثر عدلاً وتناغماً. إنها النزعة البشرية نحول التحول للأفضل ورفضاً للثقافة الاحادية في التفكير سواء السياسي أو حتى الفني والإبداعي فيها.

وتعتبر المرأة محوراً مركزياً في العنف البشري على مدى العصور، ولذلك جاء الفن النهضوي في أوروبا ليعيد للأنثى وجوديتها الجمالية والحضارية كما في أعمال الانطباعيين بشكل رئيسي وفي معظم مدارس الفن الحديثة التي خرجت من ظلام الحرب العالمية الثانية لتضيء إشراقات مبدعة، وتفتتح خطاباً تشكيلياً ضد العنف، وضد الظلم، وضد الاحادية. إن المعادل الموضوعي الذي تحدث عنه ت. س. إليوت في الأدب يتقاطع مع الانطباعية في فلسفتها، ومع السريالية في أشكالها الاولى قبل انفلاتها النخبوي. ورغم اهتمام المدرسة الرومانسية بدلالات علم الجمال ابتداءً من الألوان وحتى التخييل والإلهام إلا أن البحث عن الحرية ضد العنف كان حاضراً لديهم كما في بعض أعمال كبيرهم (يوجين دي لاكروان) في لوحته (الحرية تقود الشعب) والذي اعطى فيها للمرأة دوراً غير رومانسي بالتعريف، ولكنه فياض بالمشاعر والإلهام عندما سلم المراة الجزء الاكبر من اللوحة ودلالاتها.

ولعلنا نشير هنا إلى دراسة أكاديمية تم تقديمها لنيل الدكتوراه إلى جامعة بابل في العراق تحت عنوان (العنف في الفن التشكيلي المعاصر)، حيث يوثق فيها نشوان علي مهدي اتجاهات الفن التشكيلي في أمريكا وأوروبا بين العامين 1975 و 2012 لنرى كيف يصبح الفن صرخة لا تتجلى فقط في دلالات اللوحة، بل وحتى في تقنياتها حيث ظهرت هناك لوحات صادمة غلى حد كبير تستخدم قطعاً من ركام الحروب، ومن الدماء وبقايا من ملابس لناسِ قضوا في الحروب فابدعوا لوحات (كولاج) كانت فريدة بمعالجتها رغم عدم ارتقاء بعضها إلى السوية الإبداعية العليا.

لقد واجهت الحداثة العربية مشكلات الحروب والعنف وتشكل التجربة الفلسطينية نموذجاً خاصاً لذلك في عالمنا العربي لما عاناه الفلسطينيون من الإرهاب الصهيوني الغاصب، وانعكس ذلك على التجربة الفلسطينية بخاصة والعربية بعامة، وعليه، جاء الإبداع الفلسطيني والعربي بمسار سياسي وثوري واسع الطيف. وبمقدار القامه الرفيعة للثورة الفلسطينية كان الإبداع الفلسطيني يوازي تلك القامة شعراً وأدباً وتشكيلاً رغم انفلات القليل منها في معالجة الحدث بطريقة مباشرة إلا أنه لدى الكثير كثافة وعمق في الرؤية البصرية للواقع. ومن التجارب الهامة في التشكيل الفلسطيني تجربة اسماعيل شموط بواقعيته الرمزية والتعبيرية، حيث نجد ذلك في أعماله التي عالجت النزوح والهجرة والمجازر، فكانت صرخة قوية في وجه الكيان الصهيوني. وفي السياق نفسه نرى برتقالات سليمان منصور والقرية الناعمة الحلمية عند براهيم غنام، أساطير عبد الرحمن مزين، المعتقلين الحائرين عند فلاديمير تمارى، الحلاج في استحضاره لكل أساطير المنطقة وروحها، التجربة الفطرية لدى عبد الحي مسلم الذي كون الوطن البديل في أعماله فعبر عن الحيواة الخاصة لروح الشعب الفلسطيني من خلال حكاياه وأغانيه وامثاله وأزياءه التي تقدم تجربة نادرة لروح ونبض الحياة الاجتماعية الفلسطينية. في أعمال الحلاج ومسلم والوهيبي والعديد من الفنانين الفلسطينيين نجد دولة ووطن الجمال الفلسطينية الباقية للأبد. وتتجدد التجربة الفلسطينية بإبداعها مع الأسماء الشابة التي نذكر منها تجربه نحتيه مغايرة للفنان إياد الصباح أقامها بين الركام في حي الشجاعية في غزة. أغلب هذه الأعمال تناولت الهجرة وشخوص نحتية تمكث بالمكان بدل الناس التي هاجرت من الحي. في سياق آخر كان فن الملصق الفلسطيني شاهدا قويا على الحدث الفلسطيني كما في أعمال جمال الابطح، غازي انعيم وآخرين.

أخيراً، نشير إلى أن الحدث العنفي والارهابي تكرر مع لبنان فكانت الحرب الأهلية اللبنانية وانعكاسها على المجتمع والفن اللبناني، وهو ما عبرت عنه أعمال عايشت وعبرت عن فترة الاحتلال الاسرائيلي للبنان، ونذكر هنا على سبيل المثال أعمال مثل عارف الريس، وهيب بتديني، عدنان خوجة، سيتا مانوكيان، حسن جوبي وآخرين. كما نجد اثر الحرب السورية السورية وماعاشته من عنف وغرهاب دمر المجتمع السوري حيث لايمكن تبيان الأثر الابداعي بصورة كاملة، لكن الكثير من الفنانين انكبوا عل معالجة مايحدث برؤيى فنيى مبدعة كما في أعمال يوسف عبد لكي مثل / السكين والعصفور / وأعمال ياسر صافي, يامن يوسف, علاء حمامه، ياسر الحكيم ,عبد الكريم مجدل بيك وغيرهم.
ولذلك يمكن جمل القول بأن الفن كان على الدوام شهيد العنف الذي لا يلبث أن يحيا من جديد ليؤكد على أن الجمال هو نقيض القسوة، وأن اتساع رقعة البياض والحلم في الفن التشكيلي هو التاريخ الحقيقي للإنسانية التي ستنسى حروبها ولكنها ستخلّد الفنون التي ارتقت بقيم السلام والحب.

المقال السابقالاقتصاد!!
المقال التالىمقتدى الصدر جعجعة جِمال
سامر اسماعيل.. فنان تشكيلي وكاتب.. اكثر من عشر معرض فردية في سوريا والخليج وأوروبا..يكتب في الصحافة السورية والعربيه/تشرين .العربي .الحياة التشكيلية .جريدة الفنون.....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد