جنيف قدر الحل السياسي دون غيره

 

انتهت الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف برفض وفد دمشق المفاوض برئاسة بشار الجعفري 14/12/2017 احتجاجا على بيان الرياض2 الذي خرجت منه المعارضة السورية برؤية موحدة لخوض الجولة الثامنة من المفاوضات.

طالب وفد دمشق بإلغاء بيان الرياض2 وتوسيع تمثيل المعارضة، فيما ادعى أن وفده لم يضع شروطا مسبقة للمفاوضات المباشرة، ويعتبر الجعفري أن ما يجري على أرض الواقع من حرب إرهابية، بينما يريد وفد المعارضة التوصل إلى صيغة خصومات سياسية.

سبب تقويض وفد دمشق المفاوضات من أساسها لأن الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف تناقش أربع سلات هي الحكم الانتقالي والدستور والانتخابات ومكافحة الإرهاب، وهو ما جعل دي مستورا في تصريح للتلفزيون السويسري أنه يطالب روسيا بالضغط على وفد النظام للانخراط بالمفاوضات بشكل جدي.

البيان الختامي للمعارضة الذي عقد في الرياض في نوفمبر 2017 يؤكد على أن العملية الانتقالية لن تحدث دون مغادرة بشار الأسد وزمرته عند بدئها وأن المفاوضات المباشرة غير المشروطة تعني طرح ونقاش كافة المواضيع ولا يحق لأحد وضع شروط مسبقة.

في المقابل حين أقدم ترمب على إعلان القدس عاصمة موحدة لإسرائيل يعلن نهاية حقبة أميركية في الشرق الأوسط، مما شجع روسيا إعلان الانتصار على داعش في سوريا مما تسبب في غضب التحالف الدولي الذي ندد بما سماه تضليل الوقائع محذرا روسيا من المبالغة في النصر الذي أعلنه بوتين في زيارة مفاجئة للجنود الروس المتمركزين في سوريا حيث تقرأ روسيا أن التحالف خلال ثلاث سنوات لم يحقق إلا مؤخرا في حربه على تنظيم داعش في سوريا ودمر الرقة والمدنيين عبر عمليات القصف الكثيفة.

روسيا تسابق الزمن وتسرع بالمصادقة على توسيع قاعدة طرطوس والحق باستخدام القاعدة البحرية 49 عاما قابلة للتمديد 25 إضافية دون أي مقابل مادي، ويسمح لإحدى عشر قطعة بحرية روسية بالوجود في القاعدة في آن واحد.

يرى الغربيون أنه في حين تحقق الانتصار على داعش فإن النزاع لم ينته بعد، ولم يتم تسوية أي شئ، فقد أكد الرئيس الفرنسي ماكرون أن العمليات ستستمر على الحدود مع العراق، وحذرت الأجهزة الأمنية الغربية من أنه رغم فقدان تنظيم داعش السيطرة على الأراضي، فإنه لا يزال يشكل تهديدا إرهابيا رئيسيا عبر شبكاته النائمة وسيستعيد السيطرة على بعض المناطق إذا فشلت عملية السلام، وهناك خطر ظهور توترات جديدة خصوصا في مواجهات بين قوات سوريا الديمقراطية وقوات النظام أو بين الأكراد والعرب وأيضا بين الأكراد والجيش التركي وكأن الغرب يهدد روسيا بهذه الأوراق.

في المقابل عبرت روسيا عن رفضها تصريحات ترمب التي قال فيها إن القوات الأميركية هي التي أنجزت النصر ضد داعش في سوريا، وأبدت قلقها إزاء نية الولايات المتحدة الحفاظ على تواجدها العسكري في سوريا، وقال ديمتري بيسكوف المتحدث الرسمي باسم الكرملين إن كلام ترمب يشبه المقولة الشهيرة الهزيمة يتيمة وللنصر آباء كثر هذا الصراع على من انتصر على داعش يثبت أن داعش ورقة تستخدمها الدول الكبرى من أجل التواجد في سوريا وفي العراق وهي تتنافس على التموضع بين أميركا وإيران في العراق وبين أميركا وروسيا في سوريا بعد استبعاد إيران رغم تواجدها الكثيف عبر مليشياتها التي استخدمتها روسيا في تحقيق عدد من أجنداتها على الأرض لأن روسيا لن تقاتل على الأرض مثلها مثل أميركا وحتى إيران تستخدم الشيعة العرب والشيعة التي استقدمتهم من آسيا الوسطى بينما تكتفي بإيرانيين كمستشارين.

بعد مشاركة السعودية في قمة دولية في فرنسا لتعزيز محاربة الإرهاب في الساحل الأفريقي بعدما استنسخت فرنسا نموذج التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب الذي عقد في الرياض، وتريد فرنسا الاستفادة من خبرة الرياض في تشكيل التحالفات، جعل وزير الخارجية الفرنسي لودريان يعلن أن فرنسا تقول لا للوجود الإيراني وللرغبة الإيرانية في إقامة محور من البحر المتوسط إلى طهران ردا على تبجحات طهران التي جاءت على لسان الرئيس روحاني ووزير خارجيته ظريف من أن إيران تمسك بالقرار السياسي في أربع عواصم عربية، أو تلك التي جاءت على لسان مسؤولين في الحرس الثوري الإيراني التي تتحدث تحديدا عن الممر المتواصل من طهران إلى المتوسط مرمرا ببغداد ودمشق ووصولا إلى بيروت، ولم يكتف الوزير الفرنسي بل طالب بخروج المقاتلين الإيرانيين من سوريا باعتبار أن سوريا دولة سيدة ما يعني أنها يجب أن تكون بعيدة عن الضغوط وخالية من الحضور الأجنبي.

تأتي هذه المواجهة الفرنسية مع إيران بعد أن حاول ماكرون التزام موقف وسطي بين طهران وواشنطن وأنها لن تنحاز لجهة محددة تجد نفسها اليوم مضطرة إلى الكلام المباشر ليس فقط لاحتواء النفوذ الإيراني المتغلغل بل أيضا لمحاولة ضبط برنامجها البالستي.

هذه المواجهة تتماشى مع التقرير الذي أعدته الأمم المتحدة الذي يندد بتحركات مسؤول العمليات الخارجية في الحرس الثوري الإيراني التي أجراها أخيرا في سوريا والعراق، وكذلك التقرير الآخر حول المصدر الإيراني لصواريخ أطلقها الحوثيون على الأراضي السعودية دفعتا باريس إلى خلع قفازات الحرير واللجوء إلى اللغة المباشرة في حديثها عن التهديدات الإيرانية، رغم أن باريس دعت روحاني لحضور قمة المناخ التي رعتها باريس في 12/12/2017 لكن لم يحضرها روحاني مؤشرا على التوتر القائم بين العاصمتين.

كما ضغطت فرنسا على روسيا التي اعتبرت أن روسيا تستدعي الرئيس بشار الأسد إلى سوتشي فهي قادرة على مطالبته بوقف القصف على الغوطة الشرقية والسماح للمساعدات بالدخول، وهي ترى في الأسد ليس الحل، وأنها تنتظر رحيله وتعتبره همجي لكنه موجود، حيث ينطلق موقف فرنسا من الواقعية السياسية التي عبر عنها لودريان، بل أكد ماكرون أنه يتعين على الأسد بدفع الثمن على ما ارتكبه في سنوات الحرب رغم أهمية مواقف باريس تبدو غير مؤثرة لا على مسار المفاوضات في جنيف ولا في سوتشي أو في أي مكان آخر، لكن تأثيرها على الدفع بعملية السلام السلمية في سوريا التي يرجح أن تكون على مقاس موسكو وليس وفق ما تتمناه باريس.

دخول الروس مكن كلا من النظام السوري وإيران في الانتصار على قوى الثورة مستغلة مراوغة وتردد أميركا وعدم قدرة أوربا على التأثير على الوضع في سوريا، لكن تواجدها اليوم أصبح يحقق التوازن بين القوى وتحديدا تقييد نشاط إيران ومليشياتها على الأرض.

لكن إعلان روسيا الانسحاب الجزئي من سوريا قد يكون تهدئة مع أمريكا من أجل خلق توازن مع الولايات المتحدة ليس فقط في سوريا بل كذلك في عدد من مناطق
النزاع في أنحاء متفرقة في أنحاء العالم، ولن تنخرط روسيا في جانب إيران التي تريد تحد الولايات المتحدة، وقد يكون الانسحاب أيضا يعطي الإيرانيين بأن روسيا لن تقدم لهم حماية وعليهم سحب قواتهم المشكلة من مليشيات متعددة الجنسيات.

هي قراءة روسية للتطورات الدولية التي تفرض على إيران الخروج من المنطقة ليس فقط من سوريا بل حتى من العراق أيضا تماشيا مع الخطة الإقليمية والدولية لمواجهة النفوذ الإيراني، وأيضا هي رسالة بأن تواجد الإيرانيين سيعرقلون الحل في سوريا وأن الانسحاب الروسي يمثل أيضا ضغطا على النظام السوري في تقديم تنازلات في جنيف القادمة ولا يوجد بديل لجنيف في تقديم الحل السياسي، خصوصا وأن المجتمع الدولي اتخذ قراره بانتهاء الدور الإيراني في اليمن.

لا تعليقات

اترك رد