هَلْ نُؤْتَى مِنْ سُوءِ فَهْمِ السَّامِعِ؟


 

كان يوما شتويّا ماطرا من أيّام ديسمبر/ كانون الأوّل، وكانت لحَباب الماء على النّافذة طرائقُ من خلالها تراءت أشجار حديقته-وقد اعشوشبت-خضلاء خضراء يانعة. بين يديه على مكتبه كتاب البيان والتّبيين للجاحظ يقرأ قوله: «إذا كان المعنى شريفاً واللّفظُ بليغاً، وكان صحيح الطّبع بعيداً من الاستكراه، ومنزَّهاً عن الاختلالِ مصوناً عن التّكلُّف، صنَعَ في القُلوب صنيعَ الغَيث في التُّربة الكريمة”

يا لصنع الغيث في تربة حديقتي الكريمة! … بساط من ربيع أبكر إليها! … غدا أشهَد صنع المعاني الشّريفة والألفاظ البليغة في قلوبهم الصّغيرة … غدا يحتفون بالعربيّة في يومها العالميّ، غدا تضوع بين أصابعهم خطوطا زاهية، وتبرق بين ثناياهم لآلئ من كلام، وتتوهّج في حناياهم مُهجا من غرام، وغدا يرتّلونها أفانينَ…

أفدتُ من ” أسرار البلاغة” أن لا درس للعربيّة إن لم يكن تربية على الجمال وعلى ذوق الجمال فعُنيت في حصص الأدب واللّغة والبلاغة بلفت انتباه تلاميذي “إلى استعارةٍ وقعت موقعَها، وأصابت غَرَضها، وحُسنِ ترتيب تكاملَ معه البيانُ حتى وصلَ المعنى إلى القلب مع وصول اللّفظ إلى السّمع، واستقرَّ في الفهم مع وقوع العبارة في الأذن” (1) فما فتئتْ دروس العربيّة تحملهم إلى أكوان من متع وجمال وهم يتدبّرون العبارة ويتقصَّون الإشارة، فإذا هم يَعجبون وينتخبون ويحفظون، وإذا هم بعد ذلك يحتذون ثمّ يُنشئون. ولعلّ بعضهم لا تجري العربيّة على لسانه إلّا لجلجة، ولعلّ بعضهم لا يشهدون الدّرس إلّا حذر العقاب وجدوا في محضهم النّصحَ، وفي الاهتمام لهم، وفي تلاوينِ الحصص تجدُّ متونُها وتطرُفُ ما أثار شوقهم وتوقهم وصقل ذوقهم وجلّى مواهبهم وذكاءاتهم فرُدّوا إليها ردّا جميلا.

كنّا -أنا وتلاميذي-نُنْزل الأجناس والأنماط من عليائها، كنّا نبعث في حيادها النّظريّ البارد حرارة الحياة فإذا نحن نُخبر ونقصّ ونروي، وإذا نحن نشعُر ونقصّد، وإذا نحن نسرد ونصف ونحاجّ…، وإذا نحن نعبر من النّصوص إلى حيواتنا، وإذا هي تقولنا، وإذا نحن بها نحيا… وإذا هذه العربيّة تحملنا إلى الجليل والجميل والرّائع نمتلئ به فننكر القبيح فينا وفي ما/من حولنا نرتفع عنه.

كانت دروس اللّغة أقوالَهم وحكايةً لأفعالهم وأحوالهم، كانت للوظائف النّحويّة وظائفُ في الحياة خبِروها أو علموها، وكانت الصّيغ الصّرفيّة تصريفَهم لوجودهم على نحو من الأنحاء…

ما أجمل لغتهم بهم! ما أجملهم بها!

كما يحتفل الوادي بالماء، وكما يحتفل الأحياء بالحياة كلّ يوم، كان تلاميذي يحتفلون بلغتهم كلّ درس وكلّ يوم قبل الدّرس وبعده.

وغدا الثّامن عشر من ديسمبر يفخرون ويفاخرون، غدا يظهرون بلغتهم على منكر وجاحد…غدا تؤنسهم.

عاد من شروده إلى كتاب البيان والتّبيين فإذا هو يقرأ ” يكفي من حظّ البلاغة أن لا يؤتى السّامع من سوء إفهام النّاطق، ولا يؤتى النّاطق من سوء فهم السّامع”.

هل نُؤتَى من سوء فهم السّامع؟

(1) أسرار البلاغة. عبد القاهر الجرجاني. تحقيق محمود محمّد شاكر. دار المدنيّ. جدّة.ط1. 1999. ص22.

شارك
المقال السابقاسئلة ما بعد داعش ؟!
المقال التالىأعداء و لكن !!
قصي المليّح. 15/07/1964 تطاوين شهادة اختتام الدّروس في اللّغة والآداب العربيّة بدار المعلّمين العليا بسوسة. سنة 1989 أستاذ أوّل منذ سنة 1996 النّجاح في مناظرة انتداب متفقّدي المدارس الإعداديّة والمعاهد الثّانويّة 2005 النّجاح في مرحلة تكوين متفقّدي المدارس والمعاهد الثّانويّة 2007 متفقّد أوّل ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد