أجساد تتلاشى : قراءة في الجسد الأنثوي وعلاقاته عقب الإنجاب


 

“عندما تزوجتها لم تكن هكذا!!” عبارة يرددها الكثير من الرجال حينما يتحدثون عن زوجاتهم.

عرفها امرأة جميلة، أنيقة، رشيقة، شديدة الاهتمام بجسدها، حريصة على العناية به (كرجل) وبطلباته، وأما اليوم فقد تربعت على عرش سلطة انتظرتها أعواماً، وذيّل المجتمع هويتها بتوقيع الأمومة، فكادت تنسى كينونتها، وجودها، ووجوده إلا بداعي “الحقوق” الزوجية…. فما هو سر هذا التبدل- الذي لن ندّعي تعميمه- في العلاقة بين الزوجين عقب الإنجاب؟

ضمن المجتمعات البطريركية التقليدية، ترسّخ في المخيال الاجتماعي أّنّ المرأة كائن “ناقص”، لا يكتسب قيمة ومكانة اجتماعية إلّا بانخراطه في التصنيف الجندري القائم على أساس الأدوار والوظائف، المتمثّلة أنثويًا بالإنجاب (وخاصة انجاب الذكر). ولأنّ الإنجاب تجربة بيولوجية، نفسية، اجتماعية في الوقت عينه فإنّها تفرض تغييرًا في علاقة المرأة بذاتها/ بجسدها وبالآخرين، مما يبرزها كطقس من طقوس العبور.

مع مجيء الطفل، تنقل بعض الأمهات ودون تمييز اجتماعي اهتمامها بجسدها، والذي هو في حقيقة الأمر اهتمام بالزوج وبالرغبة في نيل رضاه، إلى جسد الطفل، بدواعٍ مبررة بل ومطالب بها اجتماعياً.

مما لا شك فيه أنّ الأمومة دور يفترض مسؤولياتٍ جمّة تتكفّل المرأة، بحكم التنشئة الاجتماعية الجندرية، الاطلاع بمعظمها، في حين ينأى الرجل “التقليدي” بنفسه بعيداً عن هذه المتاعب. ويعتبر هذا التقسيم الجندري للأدوار أحد أبرز الأسباب التي تساعد على تغير العلاقة بين الزوجين عقب الإنجاب.

من جهة أخرى تصبح المرأة “التقليدية” – إرادياً- بعد ولادة الطفل أقل اهتمامًا بأناقتها وشكلها وأقلّ عناية بجسدها وبزوجها، وهذا ما تعبّر عنه الأنتربولوجية المغربية “عائشة بلعربي” بكونه انمحاء للجسد المغري كي يحلّ محله الجسد القالب/ الجسد الضحية، إنّه الجسد المرهون للطفل خاصة، وللعائلة عامة .

إنّ هذا التبدّل في إطار العلاقة بالجسد يؤثر سلبًا على العلاقة بين الزوجين؛ فالتعظيم المفرط لدور الأمومة، واختزال المرأة به يجعل الكثيرات يتمثلن اللذة والمتعة الجنسية على أنّها انتهاك لقدسية الأمومة، ممّا يدفع بهنّ بعد إنجاب عدّة أولاد إلى نوع من “البرودة الجنسية”. ونحن نفترض أنّ المرأة التي عاشت حالة الخضوع والاضطهاد في المجتمع البطريركي عامة تنظر إلى الإنجاب على أنّه فرصة للتعويض. إنّها تتمثّل الطفل كمنقذ، فتكون العلاقة بينهما قوية للغاية، مفعمة بالحنان والحماية المتبادلة. والكلام الذي سقناه يكون أكثر دقة عندما نحدد الإنجاب بالطفل الأول، أي عقب معايشة المرأة لتجربة الغربة القاسية الناتجة عن انسلاخها من عائلة المنشأ نحو العائلة الزواجية. بمعنى آخر فإنّ ما يحصل إثر عملية إنجاب المرأة في المجتمعات البطريركية هو تبدّلٌ للأدوار؛ فالمرأة التي أنجبت تعيش حالة ولادة جديدة، إنّها ولادة اجتماعية لن تلبث المرأة بعدها أن تتحوّل إلى أمّ تملكية، وكأنمّا هي تستعيد ولدها رمزيًا إلى رحمها .

تجدر الملاحظة أنّه بقدر ما يزداد عدد الأولاد، بقدر ما تهمل الأم جسدها، ما يؤكد وجود علاقة بين هذين المتغيرين المرتبطين بشكل غير مباشر بالمستوى الثقافي للفرد وانتمائه الجيلي والطبقي، ما يعني أن زيادة الإهمال الجسدي الذاتي للمرأة إثر الإنجاب مرتبط بتدني المستوى العلمي والثقافي والمادي، كما بالانتماء الجيلي وبنمط الانتاج المتبع.

عقب سيرورات الحداثة والعولمة التقنية التي فرضت وجودها في الكثير من المجتمعات، وعقب التثاقف الاجتماعي والفكري والثقافي البديهي، أخذت تطرأ بعض التحوّلات على مسألة الإنجاب انعكست بتحوّل مماثل في علاقة المرأة بذاتها وبالآخرين. هكذا نرى أنّ الكثير من الأمهات الشابات اللواتي يعشن غنىً اقتصاديًا وانفتاحاً ثقافيا وانشغالاً مهنياً يكتفين بإنجاب

ولدين أو ثلاثة على الأكثر؛ كما ويحرصن على الاهتمام الشديد بنظامهنّ الغذائي بعد الإنجاب، ولبس المشدّات لشدّ عضلات البطن خوفًا من تهدّله، ويستخدم بعض منهنّ كريمات لحماية البشرة من آثار الإنجاب والرضاعة والإرهاق وسهر الليل مع المولود الجديد.

إنّ هذا التحوّل في تعامل المرأة مع جسدها، وجعله مركز الإهتمام بدلًا من نفيه خلف جسد الطفل هو نتيجة لسيرورات الحداثة التي باتت تفرض نفسها بقوة على كلا الجنسين. إنّه تحوّل حتميّ يجعل الجسد عامة والأنثوي خاصة يعمل “كمبدأ تفرّد”، حسب تعبير آميل دوركايم، ليؤكّد بذلك على امتلاكه لقيم الشباب والشكل والصحة والإغراء والمرونة التي هي قيم أساسية للإعلان والحداثة التي تحمل دلالات التمايز الطبقي.

ويبقى السؤال متى نتوقف عن التعامل مع أجسادنا على أساس وظيفي جندري؟ متى ندرك أن الجسد ذات لا موضوع، وأنّ الأمومة تأخذ قيمتها الحقيقية في التشارك والاستقرار الأسري لا في الصراعات الجندرية لإثبات الذات وكسب المكانات؟!

لا تعليقات

اترك رد