ملامح التجديد في الشعر العباسي الثاني – ج 4


 

مما لا شك فيه ان الشعر يمثل حياة الانسان في المجتمع ويصورها افضل تصوير فمن يطلع على شعر حقبة زمنية معينة يستطيع معرفة الكثيرعن احوال هذا المجتمع في تلك الحقبة الزمنية .

واول هذه الفنون والاقرب الى نفوس الخلفاء والامراء والقادة هو الفخر و المديح فقد بلغ من التوسع شاءوا كبيرا وعظيما واتسعت آفاقه وكان من اهم اسباب تقدمه ورقيه واتساع مفاهيمه ودقة اساليبه تقريب الخلفاء والامراء للشعراء اليهم وكثرة وجود العديد من العواصم والمدن التي يتواجد فيها الامراء ومحاولة كل منهم ان يجمع اكبر عدد من الادباء الشعراء والعلماء في مجلسه ليكون افضل من مجالس الاخرين . وبذخهم المال على هذه المجالس ومنح الهبات والعطايا السنية للشعراء وغيرهم ومنهم من امّل الشعراء بالامارة كما فعل الاخشيد مع المتنبي ومنهم من اهدى الشعراء الضياع والجواري الحسان اضافة الى المال الكثير فكانت هذه اسباب ازدياد الشعراء وتهافتهم على هذه المجالس فكثر المدح والفخر والغلو فيهما .

وقد تميز المدح في هذا العصر بالاطراء والمبالغة كما في وصف المعارك والامراء وهم يقاتلون وينافحون عن البلاد وكذلك مدح الامراء والقادة والشجعان من المقاتلين و ذكرت تلك الانتصارات التي حققوها في هذ ا العصر كما فعل المتنبي والشريف الرضي وابن الهبارية وابن مطروح وابن النبيه وغيرهم .

يقول المتنبي في مد ح سيف الدولة الحمداني :

رايتك محض العلم في محض قدرة      ولو شئت كان الحلم منك المهند ا
وما قتل الاحرار كالعفو عنهم           من لك بالحر الذي يحفظ اليدا
اذا انت اكرمت الكريم ملكته           وان انت اكرمت اللئيم تمر دا
ولكن تفوق الناس رأ يا وحكمة         كما فقتهم حالا ونفسا ومحتدا

والغزل من ارق الفنون اوالاغراض الشعرية واحبها الى النفس البشرية لذ ا توسعت وتشعبت وظهرت فيه عدة فنون جديدة تكاد تكون فنونا مستقلة , منها الغزل التقليدي والغزل بالمذكر والغزل الخليع وغزل الحب الصادق والالم والحسرة والغرام والشكوى والوله القاتل وما يحس به الشاعر الواله او العاشق وكذلك الغزل الصوفي الذي يعتبر امتدادا لشعر الزهد حيث نشأ بالعراق ثم انتقل الى مواطن اخرى ومن اهم شعراء التصوف : القشيري وابن الفارض وابن عربي والحلاج ورابعة العدوية والشيخ عبد القادر الكيلاني والسهروردي

لاحظ الشيخ عبد القادرالكيلاني يقول:

مافي الصبابة منهل مستعـــــــــــذب    الا ولي فيه الالذ الاطيــــــــب
اوفي الوصال مكانة مخصوصــــــة    الا اومنزلتي اعز واقـــــــرب
وهبت لي الايام ر ونق صفوهـــــــا    فغلا مناهلها وطاب المشرب
اضحت جيوش الحب تحت مشيئتي    طوعا ومهما رمته لايغـــــرب

. اما الشعر الفلسفي فقد نشأ في الشام او يكاد ان يكون هكذا ومنها تسرب .وممن اقحم الفلسفة في الشعر ابو العلاء المعري وابن سينا والرازي وغيرهم وكانت روح العصر تتطلب ايجاد مثل هذه الفنون .
وتعجبني هذه الابيات للمعري :

اذا رجع الحصيف الى حجاه          تهاون بالشرائع وازدراها
فخذ منها بما اتاك لب                ولا يغمسك جهل في صراها
وهت اديانهم من كل وجه            فهل عقل يشد به عراها

وكذلك توسع فن الوصف واتسعت معالمه ومجالات القول فيه فقد وصف الشعراء المعارك الحامية التي دارت بين المسلمين والاقوام الاخرى ووصفوا البلدان التي فتحت على ايديهم كما وصفوا بل وا كثروا من وصف الطبيعة ومناظرها الرائعة الخلابة ومظاهرها وجمالها الساحر ووصفوا مجالس الخمرة ومجالس الغناء ووصفوا النساء المشاركات فيها وهن يرقصن ويغنين ووصفوا الرياض والقصور والعمران والزهور في الحدائق و تفتقت اخيلتهم في هذه الوصوف وظهرت المقدرة لدي العديد من الشعراء مثل الصنوبري الذي اختص في وصف الطبيعة والوءواء الدمشقي والحمداني والمتنبي في وصف المعارك
يقول الصنوبري في وصف زهرة شقائق النعمان :

كأن محمر الشقيق                  اذا تصوب او تصعد
اعلام ياقوت نشرن                على بساط من زبرجد

وظهر كذلك فن التشكي من الزمن ومن الاحداث الاجتماعية وكان موجودا كشذرات في قصائد الشعراء الا انه في هذا العصر ظهر كفن جديد ويتميز بذكر الحوادث والاحدات التاريخية ونقد المجتمع نقدا تحليليا والشكوى من مصائبه واحداثه وهي كثير .
لاحظ قول ابي العلاء المعري فيه :

دنياك دار شرور لا سرور بها        وليس يدري اخوها كيف يحترس
بينا امرؤ يتوقى الذئب عن عرض    اتاه ليث على العلات يفترس
الا ترى هرمي مصر وان شمخا     كلاهما يبقين سوف يندرس

واصاب الهجاء في هذا العصر بعض التوسع و كان من اسبابه التنافس بين الشعراء حول الحضوة لدى الامراء والخلفاء. وتميز هذا العصر بالاسراف في القول البذيء والنيل من الاعراض مما يذكرني بهجاء الحطيئة في العصرين الجاهلي وصدرالاسلام او شعر النقائض بين جرير والاخطل او الفرزدق .

ومن اشهر شعراء الهجاء المتنبي وابن الصياد وما هجاء ابي الطيب في كافور الاخشيدي عنا ببعيد , بعد ان مناه وامله ثم نكث وعوده فصب المتنبي عليه غضب الدهر ولعنة الزمن على مدى الدهور والازمنة وجعله اضحوكة للاخرين يقول :

كلما اغتال عبد السوء سيده       او خانه فله في مصر تمهيد
نامت نواطير مصر عن ثعالبها    فقد بشمن وما تفنى العناقيد
العبد ليس صالح باخ             لو انه في ثياب الحر مولود
لا تشتري العبد الا والعصا معه   ان العبيد لانجاس مناكيد
ما كنت احسبني ابقى الى زمن   يسيء بي فيه كلب وهو محمود
ولا توهمت ان الناس قد فقدوا    وان مثل ابي البيضاء موجود

او قوله فيه :
أمينا واخلافا وغدرا وخسة ؟؟  اشخصا لحت لي ام مخازيا ؟؟

لا تعليقات

اترك رد