قراءة في كتاب تمثلات الموت في الرواية العراقية

 

تعد موضوعة الموت من اكثر الموضوعات البحثية اثارة للجدل لما تمثله من اشكاليات تتعلق بارتباطها الوثيق بحياة الانسان ومغزى كينونته بابعادها الفلسفية والدينية والماورائية. ودراسة هذه الثيمة ضمن النسق الادبي ،الروائي تحديدا ، يسلط الضوء على البنية المفهوماتية للموت التي استلهمها الروائي من واقعه ،حيث من الطبيعي جدا ان تنعكس مفردات هذا الواقع المتفجر والمضطرب على نتاج المؤلفين روائيين وشعراء ومسرحيين . ومن هنا انطلق الباحث فارس الفايز في كتابه تمثلات الموت في الرواية العراقية ، الصادر عن دار الرافدين _ لبنان ٢٠١٧، محددا الفترة الزمنية لبحثه بين (٢٠٠٣_٢٠١٣) هذه الفترة المستعرة من حياة المجتمع العراقي . حيث هيمن الموت على مفاصل الحياة واستشرت تأثيراته على الانسان العراقي اجتماعيا وفكريا ونفسيا وعقائديا. ولما كانت رسالة الادب عموما والرواية خصوصا رسالة انسانية بالدرجة الاولى، كما هي معرفية وجمالية وفلسفية اكيدا ، فانها بالتاكيد لسان حال المجتمع والوطن . ووثيقة حية تؤرخ لحقبة مهمة وصعبة من تاريخ العراق.
يقول الباحث في مقدمة كتابه ( من المعروف ان خطاب الرواية خطاب انساني واجتماعي مثلما هو فني ، فهي تمنح الكاتب مساحات غير محدودة للإفضاء يتمكن بفضلها من بث افكاره ورؤاه (….) ولما كان الموت اعظم قضية يواجهها الانسان ، وقد اخذ في العراق مسارات مرعبة بل اصبح مشاعيا وفوضويا ،تتفاقم آثاره على الفرد والمجتمع ،وتختل بفعله العلاقات والقيم والمفاهيم السائدة ، ولما كان روائيونا يدركون تماما بانهم في عالم مدججبالهزائم والخيبات ،ويهيمن عليه الموت المحاني ويشبع فيه الخراب ، لذا نجد ان الرواية العراقية بعد (٢٠٠٣) اختطت واقعها المبني من مجموع المعطيات والمسارت التي ميزت البيئة والمناخات العراقية عن غيرها من بقاع المعمورة .) مقدما عرضا تاريخيا لبداية الموت / القتل والقاتل الاول ،الموت القابيلي ، وما نتج عنه من تبعات على الاجيال اللاحقة .
جاء الكتاب في ثلاثة فصول غنية وكان الفصل الاول بعنوان تمثلات الموت في المتن الروائي حيث تناول فيه اشكال الموت في الرواية والمؤديات التي انتجت تلك الاشكال وشملت الدراسة مظاهر الموت الرمزي والمعنوي الى جانب الموت المادي الفيزيقي وبعنوانين رئيسين هما اولا: الموت اضطرارا حيث هناك اشكال متنوعة لهذا النمط الذي يأتي بعوامل متعددة اهمها :السلطة ، الحروب ، الارهاب. وثانيا : الموت اختيارا حيث شمل اشكال هذا النمط : الانتحار ، الشهادة . ثم ثالثا : اشكال اخرى من الموت ، موت القيم ، الموت في الحياة ( السجن ، المنفى ..).
اما الفصل الثاني فقد استعرض فيه الباحث الدلالات والايحاءات التي ينسجها الموت في تعالقه مع البنى الروائية حيث ان الروائي يبث الموت وسط تلك البنى مستثمرا الامكانات المعبأة في المفهوم ليصل الى غايات معينة ،حسب المؤلف ،وقد حمل هذا الفصل عنوان دلالة الموت في البنى الروائية وبعناوين فرعية ايضا هي : اولا البنى العجائبية وثانيا البنية التاريخية وثالثا بنية السرد العنكبوتي . اما في الفصل الثالث تتبع الباحث التوظيف الفني للموت وما خلقه من معطيات فنية وجمالية في الرواية والدماء الجديدة التي يمكن ان يضخها في شرايين العناصر السردية ،حيث انتظم هذا الفصل في عناوين رئيسية هي اولا الموت والعتبات ( المناص) ١-العنوان٢-لوحة الغلاف ( الواجهة ) ٣-التصدير ( الشاهد الاستهلالي ) ٤-البداية ( الاستهلال ) . لقد تقصى الباحث سيرورة الموت في كل رواية مبتدأ من عتباتها الاولى ،لوحة الغلاف والعنوان وهو ما يؤشر تفرد هذا الكتاب كونه استلهم كل معطيات الموت، المادية متمثلة بلوحة الغلاف كونها رمز ،ثم المضمون الخفي في ثنايا السياق .
ختم الباحث كتابه بمجموعة من النتائج التي تمخض عنها جهده في استكشاف سؤال الموت في الرواية العراقية اذ خلص الى ان بالاضافة الى ان اغلب النصوص اظهرت ( في جل محكياتها ان المتسبب الاول في جريان امواج الموت المتلاطمة وعلى طول التاريخ هو السلطات الشمولية فقد احدثت الحروب المتوالية وصروف الاستبداد والقهر الى زعزعة القيم وتشويش الافكار وايضا بتعطيل عوامل النهوض والتقدم . كما وان هذه الروايات لم تقف عند عرضها للحروب والارهاب والارهابيين وتكوينات تنظيماتهم والظروف المحيطة بشخصياتهم بل ايضا الى الكشف عن بشاعة اساليبهم ووحشيتهم . كما ان الباحث لم يغفل بصمة الرواية النسوية في هذا المشهد في تسجيل صور الفقد والمواجع ومعاناة المرأة في ظل طواحين الموت واستنطاق المسكوت عنه والعمل على مواجهته ومقاومته . ويذكر الباحث ايضا ان الروائيين العراقيين سعوا الى ان تكون كتاباتهم غير خاضعة للنظم المقولبة وارتياد مناطق جديدة من التجريب والتجديد . ايضا في عرض نتائجه يذكر الباحث ان الرواية العراقية استثمرت موضوعة الموت فنيا فأثرت به موضوعاتها وبداياتها وانتاج عنواناتها المتشظية بالدلالات الجاذبة وتطريز مقدمات المحكي باستهلالات تضيف الى رصيد المتلقي اللغوي والفكري .
لقد استعان الباحث في كتابه واستند الى عيون المصادر والمراجع واتخذ من تسع وخمسين رواية عراقية ساحة بحث وفضاء حفر يتقصى فيها سيرورة ثيمته وموضوعته . ومن هذه الروايات نذكر:_ روايتا إعجام ويا مريم لسنان انطوان وأرصفة الجحيم لصالح مطروح السعيدي واسم العربة لزيد الشهيد وجدد موته مرتين لحميد الربيعي وروايات انعام كجه جي الثلاث الحفيدة الامريكية وسواقي القلوب وطشاري وسيدات زحل للكاتبة لطفية الدليمي ورواية زينب وماري وياسمين للكاتبة ميسلون هادي وقيامة بغداد للكاتبة عالية طالب ومأتم للكاتب طه الشبيب والوليمة العارية لعلي بدر وغيرها من الروايات التي احسن الباحث في اختيارها لصلتها الوثيقة لمضمون بحثه …هذا عرض مختصرللكتاب الذي يمثل بحق بحث يمتلك الجدة على صعيد الموضوع ،والحرفة والدراية والاتقان في التناول وسبر اغوار ثيمة قارة مثل ثيمة الموت جعلت منه سياحة فكرية ومعرفية وجمالية. درسها الباحث بكثير من التروي ليقدمها بكتابه كمرجع متميز يعد اضافة قيمة الى المكتبة النقدية العراقية والعربية .

لا تعليقات

اترك رد