حوارات ونقاشات نقل السفارة الأمريكية إلى القدس


 

يقول سيجمند فرويد في كتابه سيكولوجية الشذوذ النفسي عند الجنسين “ان مصيرك يترتب على طبعك وطبعك هو نتيجة عاداتك وانفعالاتك وردود افعالك، وعاداتك وردود افعالك انما هي تكرار لافعال أوحتها اليك أفكارك، وأفكارك هي نتيجة ايحاء اليك من الناس ومن الظروف ومن البيئة المحيطة بك، ومعنى هذا ان مصيرك الخاص يتوقف في النهاية على حكمتك في اختيار الايحاءات التى من شأنها ان تجعل منك شخصية عظيمة ذات طابع قوي جذاب”.

هذه المقدمة ضرورية اليوم لنفهم موقعنا مما يحدث من تغييرات على المستوى السياسي والاجتماعي في المنطقة العربية وتشابك المصالح وتداخلها مع هوياتنا الدينية والمذهبية والقبلية في تشكيل رؤيتنا وطموحنا دون أن نستطيع الفصل بين ماهو عاطفي وسياسي ومصلحي. فالغالبية اليوم من الشعوب العربية تفكر وتتخذ قراراتها المصيرية ضمن دائرة الرأي العام الجمعي، وهو الرأي الذي يجب اتباعه حتى ولو كان خاطئا أو لا عقلاني، فالأمة العربية، كما تم أدلجة العقل العربي منذ الولادة، هي أمة واحدة ذات رسالة خالدة والويل كل الويل لمن يفارق الجماعة أو ينتقدها فهو خائن وعميل وكافر في أدبيات القوميين والإسلاميين. فالسلوك القائم على هذا الأساس رهن بنوع العادات والتقاليد ونمط التدين في الجماعة، ولهذا لا يصلح الرأي العام أو حكم الأغلبية ضمانا للسلوك العام والأهم أنه لا ينطوي على مبدأ يرنو الي التقدم والإرتقاء، وخصوصا إذا علمنا أن ثقافة هذه الأمة لم تتطور بل وقفت خامدة منذ اكثر من ألف عام، وهذا ما يجعلها أمة مفارقة للحياة لينطبق عليها المبدأ الخلدوني في تعرضها للإنهيار والسقوط بفعل عوامل الاستبداد والوصاية والعصبية التى لازمت، ليس فقط الشعوب، بل ايضا مؤسسات الحكم والدين والتقاليد.

وهنا نرجع الي مقولة فرويد التى يشير فيها أن استخدام الإنسان لحكمته وتقديره أمام أي قضية لا غنى عنه في تقدمه وانتقاله الي المرتبة الرفيعة من الأخلاق..ولكن

لنتوقف هنا، وننظر الي الواقع بعين الفاحص والناقد..فالمواطن العربي يعيش في مجتمعه فاقدا لشروط أساسية تشكل الأساس الفكري في اختياره وهي شروط الحرية والكرامة والإختيار والحقوق .. بينما بالمقابل تطغى العاطفة، وخصوصا الدينية والمذهبية، عند الإختيار والحكم مما يعرض المواقف السياسية والاجتماعية الي أحكام غير صحيحة من الناحية الموضوعية والعقلانية. وهذا مرده الي نسق النقل والتقليد الذي ابتليت به مجتمعاتنا مع طغيان الدين السياسي وتمكنه من الحكم بشكل قهري سلطوي أرخى بنتائجه، ليس فقط على الدين، بل تعداه الي مختلفف مظاهر الانتاج الثقافي والفكري والتعليمي.

فالمصير العربي اليوم، لا يتشكل وفق الفردية وقبول الآخر والتعايش مع مختلف الافكار والثقافات، بل هناك أزمة حقيقية وخطيرة تمس الإنسان المختلف. حيث يصبح أي إختلاف ديني أو سياسي بمثابة عدوان على الجماعة الأم أو الدين الغالب. ولعل مثال الإرتداد عن الإسلام يمثل قمة المواجهة مع المرتد بشكل ديني. والموقف من إسرائيل مثلا يمثل بالجانب الآخر الموقف العدائي ضد من ينادي بالسلام والتطبيع. فكليهما، المرتد والمطبع يعانيان من قسوة في ردود الأفعال والتخوين والتكفير..فالعقل العربي لا يزال ينطلق في رؤيته كما أسلفنا من منطلقات وثوابت قائمة مسبقا، ولا ينظر الي الواقع بعين التجريد والموضوعية والعقلانية التى تتطلب الحوار لا التكفير والنقاش لا التخوين والتعايش لا الكراهية..فكل هذه الرغبات والدعوات الممتلئة بالحقد والقذف والتحقير لأي رأي مختلف، انما مصدرها الشعور الإضطرابي الداخلي الكامن في النفس، فالصراع مع الذات المريضة يؤدي في كثير من الحالات الي القلق فالإضطراب العصبي وصولا الي التنفيس بالكراهية.

ولهذا نفتقد في مجتمعاتنا العربية اليوم أي قيم عقلية صحية تهتم بتدريب الأفراد على أن يعيشوا حياة يسودها الوفاق والإنسجام النفسي مع ذاتهم ومع الآخر المختلف. فالعصبية التى نشاهدها في حواراتنا ونقاشاتنا حول قضية نقل السفارة الأمريكية الي القدس تدل على أننا نحمل بذور العلة في داخلنا، وتجد هذه البذور،

وفق ثقافتنا الموروثة وانغلاقاتنا العقلية، أرضا خصبة تترعرع فيها وتنمو لتشكل أفرادا ومواطنين دائمي الكراهية والغضب ولا يملكون سوى الجنون اللفظي والشعاراتي تاركين العمل والتفكير والقوة بأيدي غيرهم.

إن القدرة على الصمود حيال الصدمات والنوائب من علامات النضج والإتزان النفسي وهذه نفتقدها كثيرا ، فاليوم، يتشكل الرأي العام عربيا بفعل منصات التواصل الاجتماعي ويغيب المثقف والمفكر القادر على تقديم رؤية توافق متطلبات العصر وتحديات الواقع..فاليوم، نغضب مع ترند في تويتر وصفحة في الفيسبوك، اليوم، نريد أن نقاطع أمريكا غذائيا فقط لأننا لا نستطيع الإستغناء عن الرفاهية التكنولوجية التي جلبتها لنا أمريكا..اليوم، نفرح إذا قتلنا الآخر المختلف ونوزع الحلوى ابتهاجا..اليوم، نرفض الاحتفال بالكريسمس لانه حرام، ولكننا إذا سافرنا الي الخارج نحتفل معهم هناك حتى الفجر..اليوم، نحن ندعي القوة وبأننا سنهزم الغرب وإسرائيل بينما نعجز عن صناعة أدويتنا ونخاف من قراءة كتاب فلسفي..اليوم، نرفض أن نقول لمن يختلف عنا فكريا بأنك حر في إبداء رأيك بل يملؤنا الغضب والنرجسية ولا نفرح ونسعد ونبتهج وننتصر لديننا الا إذا شتمناه أو اتهمناه بالشرف والكفر والعمالة..اليوم، نحن في غاليتنا لسنا مرضى بالعقل فقط بل مصابون بالشذوذ الفكري والأخلاقي.

لا تعليقات

اترك رد