الإسرائيلي غالب حتى قبل ان يشهر سيفه

 

إن مكانة مصر في العالم العربي مشابهة لمكانة المانيا في أوروبا. فكلا البلدين يعتبران قلب اقليمهم و المحرك الأساسي في حركة امتهم.
و يكاد عدد الألمان يساوي عدد المصريين. و العجيب أن كثير من الألمان يتوقون للعيش في بلد حار مثل مصر، و ايضا فإن كثير من المصريين يحبون العيش في جو بارد يكون في الهواء لطيف مثل ألمانيا.

لنفترض أن الألمان و المصريين قرروا يوما ما أن يستبدلا بلدانهم مع بعضهم عن طريق انتقال كل شخص في ألمانيا الى مصر و كل مصري إلى ألمانيا، يحمل كل واحد منهم امتعة شخصية فقط لا غير.

نعم إنها فرضية خيالية و لكن لنفترض أنها حقيقية.

في صفقة مثل هذه سوف يكون المصريين هم الرابحين لأنهم سوف يحصلون على بلد عامر بشوارعه و مصانعه و بيوته و حقوله، اليس كذلك؟

نعم في البداية سوف يكون المصريين قد حصلوا على بلد مزدهر، بينما الألمان حصلوا على بلد متدهور، و ذلك ينطبق على اي دولة عربية أخرى، فهنا لا اقصد المساس بالأخوة في مصر و انما هذا ينطبق تماما على كل الشعوب العربية.

بعد مرور أعوام قليلة، سوف تتحول ألمانيا إلى بلد متدهور، حيث ان الادوات و البنية التحتية سوف تستهلك من دون تجديدها او تطويرها، تماما كما نفعل نحن العرب مع كل انظمة البنية التحتية الانكليزية\الفرنسية المتهالكة التي ورثناها من المستعمر الإمبريالي. و بما أن المانيا تفتقر إلى ثروات طبيعية مثل النفط و الغاز، فسوف تقطع الغابات لاستعمالها كطاقة.
و بعد عقد او عقدين سوف تتحول المانيا المزدهرة إلى خربة يعيث فيها التهريج في الإعلام، خروقات أمنية، تفاوت اجتماعي بين الطبقات، نزاعات طائفية و اخيرا انشاء نظام قمعي لا يقوم على الديمقراطية.

في الانتقال إلى مصر، سوف نرى تغير هائل، حيث أن الألمان الذين انتقلوا للعيش في مصر، سوف يحدثون تغيير جذري في البنية التحتية. فالطاقة سوف تستمد من الشمس، قناة السويس سوف تستثمر بشكل اقتصادي فعال. السياحة سوف تزدهر بوجود الكم الهائل من الآثار و ايضا السواحل الجميلة. الزراعة سوف تزدهر بشكل يفوق الخيال، حيث أن الزراعة سوف تستمر على مدار العام.

نعم، ان استبدل الألمان و المصريين بلدانهم مع بعض فلسوف يزدهر البلد الذي يسكنه الألمان و لسوف تتدهور البلد الذي يسكنه المصريين!

هذا الاستنتاج النظري ليس مبني على رأي عنصري يرفع من قيمة الغربي و يحط من قيمة الشرقي، لأن مربط الفرس ليس بالانتماء العرقي أو الديني أو اللغوي او حتى الموقع الجغرافي بما فيه من ثروات طبيعية. إن ما يفرق هو النظام الذي ينتهجه الشعب الناجح و الذي لا ينتهجه الشعب الفاشل.

لننتقل الى الواقع بدل الفرضية الخيالية. فهنا لدينا دولة اسرائيل التي بناها المستوطنون اليهود من اوروبا بشكل أساسي. و في المقابل فإن كثير من العرب هاجروا إلى أوروبا. فهنا يكاد يكون لدينا تبادل أراضي.
تعالوا فلنقيم الواقع. في اوروبا (حيث اعيش شخصيا) يكاد يكونون اللاجئين عبئ ثقافي و اقتصادي، او بالأصح فإن استهلاكهم للنظام الغربي يفوق انتاجهم للنظام. خذ على سبيل المثال، في الدول الغربية المتقدمة التي فتحت ابوابها لاستقبال اللاجئين العرب، تجد أن من تلك الدول خرج عدد لا بأس به من الشباب العربي الهمجي للالتحاق بصفوف داعش، ناهيك عن كل المشاكل الامنية التي يتسبب بها العرب. نعم الغالبية ليسوا اصحاب مشاكل، لكن نسبة المتسببين بالإضرار ملحوظة. و اقصى ما يحققه المهاجر العربي هي عيشة بسيطة لأسرته، فلا إنتاج فكري أو ثقافي او صناعي يقدمه المهاجر العربي إلى البلد الأوروبي الذي استقبله.

بالانتقال إلى إسرائيل، نجد ازدهار ملحوظ في شتى النواحي و اهمها التفوق العسكري على كل الدول العربية و أيضا الدول “الإسلامية” المجاورة مثل ايران و تركيا، مجتمعين كلهم!

هنا لا أمجد بإسرائيل و لكني اشير إلى الواقع المر الذي نعيشه نحن العرب. نحن و كل ما نحمله من نذير و وعيد و حشد لجيوش و صرف اموال طائلة للتسليح، فنحن لا نقوى على بلد صغير الحجم و العدد مثل اسرائيل، حتى مع تفوقنا بالعدد و الموارد.
ما سبب هذا؟

سؤال يجب أن نطرحه بشكل موضوعي بعيدا عن المشاعر الحماسية الفارغة.
لماذا يكون الإسرائيلي هو الغالب حتى قبل أن يشهر سيفه؟

الجواب سهل، أنه النظام الذي ينتصر في السلم قبل الحرب!

ذخيرة المدفع، الطيران الحربي و حتى الاسلحة النووية، كل تلك هي مكملات للنظام و ليست هي سر نجاح دولة معينة.

إن النظام الذي اتكلم عنه هو النظام السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي. أنه التكافل الاجتماعي، البحث الأكاديمي، الإنتاج الفني و الثقافي، التعامل التجاري و الصناعي مع باقي دول العالم، أنه النظام الذي يحمي المواطن و الذي يفديه المواطن بكل ما لديه.

ماذا عنا نحن؟ لماذا نكون دوما خاسرين؟

نحن خاسرين لأن أرملة الجندي تبحث عن الخبز اليابس في القمامة. نحن نخسر لأن الفقير يموت خارج المستشفى لأنه لا يملك ثمن العلاج. نحن نخسر لأن فنانينا و مفكرينا يكفرون و يلاحقون. نحن نخسر لأن حريتنا في التفكير و التعبير مكبوتة من قبل الحاكم خوفا على كرسيه. نحن نخسر لأن شبابنا يحلم بأن يهج بعيدا عن وطنه البائس. نحن نخسر لأننا عبدنا رجال الدين قبل الله عز و جل، فنحن الغينا عقولنا التي منحنا الله أيها فقط لأن حفنة من المهرجين اقنعونا أننا إن فكرنا فسوف ندخل النار.
نحن نخسر عل الدوام لأننا لم نصنع نظام و انما تركنا الحبل على الغارب، تأخذنا الناقة حيث تهوى.

أنه النظام ما نفتقده و لا شيء آخر على الاطلاق!

و لا زالت الأغنية البائسة تدوي في الفضاء “وين وين وين؟ وين الملايين؟ الشعب العربي وين؟ الشرف العربي وين؟”.

لا تعليقات

اترك رد