التخادم بين حزب البعث وحزب الدعوة

 

اتخذ البعث قرارات جائرة وظالمة ضد حزب الدعوة، وتم وفقها معاقبة المنتمين له بابشع أشكال العقوبات الشوفينية الدالة على اجرام البعثيين وطغيانهم، كما اتخذ البعثيون حزب الدعوة ذريعة للفتك بعشرات الآلاف من الشيعة، مستهدفا خيرة العوائل الدينية مثل آل الصدر وآل الحكيم وآل بحر العلوم وآل كاشف الغطاء وغيرهم كثير، فضلا عن زعامات العشائر العربية المنتمية للمذهب الشيعي، وربما الجنبة الاحقر في قرارات البعثيين ضد حزب الدعوة، هي تجريمهم بشكل رجعي، كما فعلوا بالبهائيين العراقيين ايضا.
الشي المؤكد ان حزب الدعوة لم يكن يشكل تهديدا فعليا وحقيقيا على النظام السياسي، بل ولم يكن يتمتع بحضور كبير في الأوساط الشيعية، وكان مراجع الشيعة يسجلون مجموعة من الملاحظات على الحزب، ما اضطر احد ابرز مؤسسيه وقادته الامام الشهيد محمد باقر الصدر، ان يعلن انسحابه من الحزب، ويحرم على رجال الدين الانتماء له، لم يكن الحزب منتشرا في أوساط ضباط الجيش مثلا، ولا الأجهزة الأمنية والاستخبارية، ولم يكن فيه سفراء ولا وزراء، وغالبية أعضائه من الشباب قليل الخبرة بالعمل السياسي وإدارة الدولة، كما لم يكن للحزب ادبيات سياسية، ولا رؤية ادارية ومنهجية مؤسسية في بناء الدولة، وانما كانت كل اعتراضاته، مستوحاة من ادبيات الاخوان المسلمين، ومنظرهم الروحي سيد قطب، وهي مفردات دينية، لا تتصل الا بعقيدة الدولة واخلاقيات الحكم وفق الشريعة الاسلامية.
لكن حزب البعث سوق الدعوة على انه اخطر تهديد للدولة في حينها، واستخدم عنوان الدعوة للانتقام من خصومه السياسيين وترهيبهم، ما ادى ان يتحول حزب الدعوة الى (بعبع) كبير، وأصبح هذا الحزب، ملهم جميع شباب الشيعة المتطلعين للخلاص من ظلم صدام وحزبه، وأتذكر جيدا ان جيلي من الشباب المتدين، كان ينظر الى الدعاة، كما ينظر اليساري الجيفارا وغيره من التحرريين، وكنا نعرض انفسنا وأسرنا للخطر مقابل حيازة كتاب للإمام الشهيد الصدر، او غيره من منظري الدعوة.
اصرار البعث على تجريم حزب الدعوة والبطش به بهذه الوحشية منح الدعوة زخما كبيرا لم تكن تحلم به، ولو ان صداما والبعث، عاقبوا بعض قيادات الحزب الرئيسيين، وضيقوا على الباقين بطريقة هادئة، لمات هذا الحزب كما ماتت حركات شيعية اكثر حضورا في ذلك الحين.
ما حصل بعد 2003 ان الدعاة أصبحوا رموزا للجهاد والمعارضة لحكم البعث الصدامي، رغم علمنا جميعا، انهم وحزبهم، لم يكن لهم اي دور سياسي حقيقي في اسقاط هذا النظام الفاسد، وكل أنشطتهم كانت مقتصرة على اقامة المجالس الدينية، وتوزيع مناشير على ابناء الجاليات العراقية في الخارج بشكل محدود، وإخراج بعض التظاهرات في ذكرى إعدام باقر الصدر .
وكل هذه الأنشطة لا تتناسب مع حجم هذا الاسم الكبير( حزب الدعوة الاسلامية )خصوصا اذا علمنا ان بعض المؤسسات والروابط الدينية بل والمواكب الحسينية كانت تؤدي نفس هذه المهام وبما اكثر.
لم يتصرف الدعاة بنفس مستوى الحماقة والعنصرية تجاه البعثيين،بعد سقوط حكم البعث، لم يصدروا قوانين تقضي بإعدام كل منتمي لحزب البعث، ولم يصدروا قوانين عقوبات بشكل رجعي، ولم يهدموا بيوتهم، ولم يعتقلوا نساءهم وأطفالهم، ولم يصادروا ممتلكاتهم، وهذا يحسب لهم ولشركائهم من ضحايا البعث، ولكنهم قدموا للبعثيين خدمات مجانية لم يكن البعثيون يحلمون بها :
1-الفشل الذريع في ادارة الدولة العراقية وتكريس الكراهية والعنصرية والطائفية .
2-الفساد المالي والاداري وتبديد المال العام بشكل فاضح ومخجل .
3-تكريس الحزبية بصورة قبيحة، تعبر عن نهم وجوع وفقر جاه وسلطة .
4-أضعاف مؤسسات الدولة، الأمنية والعسكرية، وتفكيك المؤسسات الصناعية والزراعية، وإرهاق الاقتصاد الوطني بسياسات ريعية فاشلة .
5-اتهام البعثيين في كل صغيرة وكبيرة، سواء كانت أمنية او عسكرية او سياسية او اجتماعية او دينية او اقتصادية او غيرها، ما يوحي ان البعث لازال هو القوة الأكثر فاعلية في العراق، رغم اجتثاثه دستوريا منذ 13 عام، بحيث تعجز جميع القوى السياسية عن مواجهتهم .
ان حزب البعث، ورمزه الدكتاتور الطاغية صدام، مات في حكمه اكثر من اي وقت اخر، وكان يوم سقوط الحكم في 2003 هو اعلان وفاة لعجوز يحتضر، لم يكن البعث يحضى باحترام السنة العرب في غرب وشمال العراق، خصوصا بعد حملات الاقصاء والإعدام التي طالت عشائر دليم وجبور وغيرهم، كما ان الانتفاضة الشعبية الشعبانية في وسط وجنوب العراق، هي اكبر اعلان عن موت هذا الحزب في هذه المناطق الواسعة من العراق، وليس الحال افضل بالنسبة للكورد الذين شن عليهم حملات ابادة، أبشعها حلبچة والأنفال .
ولكن اخطاء ما بعد التغيير، والاصرار على اتهام السنة وخصوم حزب الدعوة بالبعثيين، وممارسة الاقصاء السياسي، من خلال استخدام حزب البعث كمانشيت أساسي، والفشل الذريع في ادارة الدولة، وتحقيق العدالة، وسوء الخدمات، وانهيار الوضع الأمني، كل هذه العوامل وغيرها، اعادة للبعثيين بعض حضورهم، ومنحتهم تبريرات ماكرة على جرائمهم الفضيعة .
قانون اجتثاث البعث، وبعده قانون المسائلة والعدالة، واليوم قانون تجريم حزب البعث، كلها قوانين تقع ضمن مقاربات العدالة الانتقالية، ولكن العملية الانتقائية في مفردات العدالة الانتقالية، يجعلها، ظلم انتقالي، وأما تسيسها فهو إساءة للضحايا، وإساءة للعملية الديمقراطية، وإساءة للمستقبل، لذلك اعتبر ان هذه الإجراءات لن تضر البعث، ولن تحد من جرائمه، ولن تخفف من كراهيته، ولكنها ستكرس الانقسام داخل المجتمع العراقي، وتزيد من الظلم وتسييس القضاء، واستعمال الدولة في التغالب السياسي، واضعاف إمكانية نجاح اي مبادرة مصالحة اجتماعية وسياسية، وتمنح صقور البعث، ومجرميه، الفرصة الذهبية لتجنيد اعداد جديدة من الشباب السنة، الذين وقع عليهم الحيف والظلم، والمتضررين من التجربة السياسية المشوهة في العراق، انها عملية تخادم متبادلة، بين حزبين حاكمين، ضحيتها العراقيين والعراق .

لا تعليقات

اترك رد