صفقة العصر وثقافة الاعتذار


 

تدور قصة وعد بلفور الذي شغل العالم طيلة قرن من الزمان حول رسالة لم تتجاوز 67 كلمة وجهها السير آرثر بلفور وزير خارجية بريطانيا إلى اللورد روتشيلد، بتاريخ 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1917، يتعهّد فيها ” بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين”، علماً بأن روتشيلد هو مواطن بريطاني. ومنذ ذلك التاريخ فإن بلفور حاضر في الذاكرة الجمعية العربية، لأنه مثّل محطة محورية في الصراع العربي- الصهيوني.

ويمكنني القول إن وعد بلفور كان “صفقة العصر” بين الإمبريالية والصهيونية، وهذه الصفقة ما تزال مفاعيلها قائمة إلى الآن، ويبدو أنه لم يستنفذ أغراضه، ولم يحقّق أهدافه كاملة، وهناك دعوة لتجديده، مثلما هي الدعوة لاتفاقية سايكس – بيكو جديدة تلك التي تتجلّى بمحاولات تفتيت وتشطير الدولة الوطنية، وليس أدّل على ذلك أن رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي كانت قد صرّحت إنها “فخورة” به وبالدور الذي لعبته بلادها في تأسيس دولة “إسرائيل” وهي تحتفل به على الرغم من المآسي والويلات التي لحقت بالشعب العربي الفلسطيني.

اعتمد المشروع الصهيوني في فلسطين على ثلاث أركان أساسية، أولها: الركن الآيديولوجي التاريخي الذي صيغ تحت عنوان ” الوعد الإلهي التوراتي” بالعودة إلى نحو أربعة آلاف عام، حيث تقول الميثولوجيا اليهودية أن الرب “يهوا” منح أرضاً لنبيّه أبرام (ابراهيم)، وهذه الأرض هي “من النيل إلى الفرات” كما جاء في سفر التكوين.

وثانيها هو الركن الحقوقي حيث استندت الصهيونية العالمية على وعد بلفور كمسوّغ أساسي لتأسيسها، خصوصاً عندما دعّمت هذا الوعد بقرارين دوليين، إضافة إلى إعلان تأسيس دولة “إسرائيل” المستند إلى الوعد والقرارين الدوليين.

أما القراران الدوليان فهما:

1- قرار مؤتمر سان ريمو الصادر في 25 إبريل (نيسان) العام 1920 القاضي بوضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، والذي صادق عليه مجلس عصبة الأمم في 24 يوليو(تموز) 1922، وتضمّن نصّاً بتنفيذ وعد بلفور.

2- قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 الصادر في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) العام 1947، القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية.

وكان إعلان تأسيس دولة “إسرائيل” في 15 مايو (أيار) العام 1948 قد نصّ في (الفقرة الخامسة) منه على ما يلي:” إن حق الشعب اليهودي في الانبعاث داخل وطنه الخاص قد اعترف به تصريح بلفور”.

وثالثها : الركن السياسي والدولي،ونعني به تحالف المشروع الصهيوني مع المشروع الإمبريالي في المنطقة، وهدفهما من خلق “إسرائيل” هو فصل عرب آسيا عن عرب أفريقيا، لأن ما يجمعها هو السعي لتجزئة الأمة العربية ومنع قيام أي شكل من أشكال الوحدة بين البلاد العربية.

وعلى الرغم من مرور 100 عام فإن المشروع الصهيوني ووليده السياسي ” الدولة العبرية” لا يزال يكافح وينافح لإثبات شرعيته “اللّاشرعية” بمقاربة قانونية أو غير قانونية، الأمر الذي يحتاج إلى محاججات قانونية وحقوقية سياسية ودبلوماسية وإعلامية عربية، وهي جوانب ربّما أهملناها في العقود المنصرمة، وأجد فيها من الأهمية بمكان حيث لا تقل تأثيراتها وأهميتها عن الجوانب الأخرى، فوراء كل مسألة قانونية هناك إشكالية ومشكلة سياسية، وهكذا هي القضية الفلسطينية بامتياز، فمع الاستذكار، لا بدّ من نقد ومراجعة وفحص للتجربة وتعلّم من الدروس والعبر، ودون ذلك سنبقى ندور في حلقة مفرغة. ولعلّ قيمة أية تجربة، بما لها وما عليها، هو بنقدها، وفي ذلك الطريق القويم لتجاوز الأخطاء والثغرات.

إذا كانت بريطانيا قد وقعت في مثل ذلك الخطأ التاريخي فعليها هي قبل غيرها تصحيح مثل هذا الخطأ، وتعويض الشعب العربي الفلسطيني عمّا لحقه من غبن وأضرار طيلة قرن من الزمان، وذلك بتمكينه من استعادة وطنه وإقامة دولته المستقلة فوق ترابه وعاصمتها القدس الشريف، والعمل على عودة اللاجئين الفلسطينيين وتعويضهم مادياً ومعنوياً، وقبل كل شيء وكمقدمة لذلك الاعتذار من الشعب العربي الفلسطيني والأمة العربية.

وكان مؤتمر ديربن (جنوب أفريقيا) حول العنصرية العام 2001، قد وضع فكرة الاعتذار عن أخطاء تأريخية في جدول أعماله، خصوصاً وكان العديد من دول القارة الإفريقية قد طالبت الدول الإمبريالية بالاعتذار عن مرحلة الاسترقاق والاستعمار. وقد استجابت دولة بلجيكا لذلك، خصوصاً ما سبّبته لشعب الكونغو، كما استجابت فرنسا على نحو جزئي للاعتذار عن فترة استعمارها للجزائر التي دامت 132 عاماً، وتتواصل حملات المطالبة بالاعتذار التركي للأرمن لما حصل له من مجازر وحملات إبادة العام 1915 وغيرها.

ولعلّ مثل هذا التطوّر الدولي إزاء ” ثقافة الاعتذار” يستدعي استثمار فكرة مجابهة العنصرية لتشمل مواجهة الاستيطان، وكلاهما جريمتان دوليتان محرّمتان في إطار قواعد القانون الإنساني الدولي، وذلك بالضغط الدبلوماسي والدولي وبجميع الوسائل الممكنة لاعتذار الدول المسؤولة عن ارتكابات حصلت إزاء الغير، وتقف بريطانيا في المقدّمة من ذلك.

وبدلاً من اختيار الأسلوب الحضاري العصري والمتمدّن، لدولة ديمقراطية عريقة، بل من أكثر الدول الديمقراطية على صعيد تطورها الداخلي والاعتراف بالخطأ باعتباره

فضيلة والعمل على تصحيحه ، نراها تتشبث بموقفها، بل تصرّ عليه، وتستمر في غيّها مأخوذة بـ “العزة بالإثم”،دون الاعتبار لمشاعر الملايين من العرب والمسلمين ومناصري الحق في العالم.

لقد انطلقت حملة تطالب بريطانيا بالاعتذار، منذ عقد من الزمان (2007)، عن إصدار الوعد كخطوة أولى، بالترافق مع مطالبتها عمل كل ما من شأنه تعويض الشعب العربي الفلسطيني عمّا لحقه من غبن وأضرار طيلة القرن الماضي، مادياً ومعنوياً، وبالتدخّل من موقعها كعضو دائم العضوية في مجلس الأمن الدولي لإعادة الحق إلى أهله، وتصحيح الأوضاع طبقاً لقرارات دولية تأسيسية منها القرار 181 لعام 1947 القاضي بقيام دولتين يهودية وعربية، والقرار 194 لعام 1948 بشأن حق العودة للاجئين الفلسطينيين والقرارين 242 لعام 1967 و338 لعام 1973 القاضية بالانسحاب ” الإسرائيلي” من الأراضي العربية المحتلة.

والمقصود من الاعتذار ليس الجانب الأخلاقي والاعتباري وإنْ كان مهماً، بل الجانب المدني والقانوني، لاسيّما لما يترتب عليه، وهذا يحتاج إلى جهد دبلوماسي دولي حقوقي وقانوني حكومي ومدني، حيث يمكن للمنظمات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني أن تلعب دوراً فيه.

والمهم هي الخطوة الأولية لدعم الحق الفلسطيني ويمكن متابعتها بالمطالبة بالتعويض المدني المادي، تمهيداً لخطوة أشمل بإقامة دعاوى جزائية ليس ضد المرتكبين الإسرائيليين فحسب، بل ضد الحكومة البريطانية، وخصوصاً بإعلانها الاحتفال بوعد بلفور الذي كان الخطوة الأولى في المشروع الصهيوني العنصري الاستيطاني، علماً بأن الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين لا تسقط بالتقادم، كما أن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحروب التي شنتها “إسرائيل” إضافة إلى جريمة العدوان المتكرر، هي جرائم دولية تستحق العقاب طبقاً لاتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 (بروتوكولا جنيف حول حماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة وحماية ضحايا المنازعات الدولية غير المسلحة)، إضافة إلى نظام محكمة روما لعام 1998 الذي دخل حيّز التنفيذ العام 2002، كما يمكن إقامة دعاوى في المحاكم المحلية لدى الدول التي تسمح قوانينها بالولاية الدولية.

وإذا كانت أفريقيا قد حصلت على اعتراف دولي بمذبحة شاربفيل والذي اعتبر يوماً عالمياً للتمييز العنصري يحتفل به العالم أجمع، فلنا أن ندعو إلى اعتبار يوم 2 تشرين الثاني (نوفمبر) هو يوم مناهضة الاستيطان، استناداً إلى جرائم مستمرة: من مجزرة دير ياسين وكفر قاسم ومدرسة بحر البقر ومعمل أبو زعبل وجرائم غزو لبنان وحصار بيروت واجتياحها وجرائم العدوان المتكرّر على غزّة وحصارها المستمر وغيرها، وخصوصاً استمرار عمليات الاستيطان والإجلاء، وذلك يذكّر بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 3379 في 10/11/1975 الذي دمغ الصهيونية بالعنصرية، واعتبرها “شكلاً من أشكال الصهيونية والتمييز العنصري”، وهو القرار الذي ألغته الأمم المتحدة بسبب اختلال موازين القوى العالمي وغياب الحد الأدنى من التضامن العربي أواخر العام 1991، فضلاً عن أن هناك العديد من قرارات الأمم المتحدة التي تدين الاستيطان باعتباره جريمة دولية.

إن استعادة وعد بلفور في مئويته ينبغي أن يكون مناسبة مهمة لمحاسبة الذات وإجراء مراجعة نقدية للسياسات والمناهج التي قادت إلى تمكين المشروع الصهيوني من تحقيق بعض أهدافه، ومثل هذه المراجعة تستوجب تشخيص ما هو سلبي وما هو إيجابي، ورسم ستراتيجية فلسطينية وعربية، لمواجهة الإرث الخطير الذي تركه وعد بلفور على مجمل دول وشعوب المنطقة وتنميتها وتقدّمها.

لا تعليقات

اترك رد