نحن والقدس


 

بعيدا عن الشعارات والهوس الديني الذي يسيطر على البعض، فقد فضح قرار الرئيس الاميركي ترامب باعتبار القدس عاصمة ابدية لاسرائيل ونقل سفارة اميركا اليها، ما كان مستورا من غباء وجهل وضعف وفقدان ثقة بالنفس والقانون والحقوق ، كما انها عكست ايضا حقد الكثير منا على انفسهم وتاريخهم وامتهم، فلم ينظر الكثير من العرب الى القدس وفلسطين الا وكأنها قضيته الخاصة، حمله الثقيل الخفيف، الثقيل الذي يريد التخلي عنه، والخفيف الذي يتيح له المزايدة والتزييف ورفع الشعارات والتطبيل والمشاكسة والنفاق..

فيما ايضا اعطت فسحة من امكانية المتجارة مرة اخرى بشعارات المقاومة والمواجهة مع معرفة ويقين انها فقط شعارات للتسلية ولذر الرماد في العيون وللتسويق ولاثارة صراعات جانبية هنا وهناك..

صفحات الراي وشبكات التواصل الاجتماعي اصبحت ساحة للاراء وألاراء المضادة، تخيلوا عراقيا يعاني من القهر والاحتلال، وسوريا مزقته الخيانات والمؤامرات، وليبيا دمرته اطماع الغرب بثرواته، ويمنيا طحنته حروب الوكالات، يتمنى ان ينسى قضية القدس ويكفر بكل من ياتي على ذكرها، ويلعن الفلسطينيين لانهم خلقوا فوضى في العقول ونقلوا مشاكلهم وصراعاتهم الى العرب وكشفوا عوراتنا على مدى عقود.. وتخيلوا ايضا ان عراقيين وليبيين ويمنيين يطالبون حكوماتهم بمقاطعة اميركا وطرد سفرائها، وكانهم لايعلمون ان تلك الحكومات ليست سوى مقاولة من مجموعة موظفين يديرهم السفير الاميركي ذاته، ولكن يجب ان لانتخيل بل نتيقن ان وزير خارجية العراق الذي يعمل موظفا اميركيا في العراق يطالب العرب باتخاذ موقف قوي من اميركا بسبب قرارها هذا..

تاكد للعالم اليوم اننا كعرب نعاني من انفصام تام في شخصيتنا السياسية والدينية ايضا،

دينيا افتى رجال الدين بان علو اسرائيل مذكور في القران وهو وعد الهي، ولكن الوعد سينتهي وتنتهي اسرائيل بمجرد ان نعبد الله وان نكون عبادا صالحين؟.. وهذا يعني ان علينا الصمت والهدوء والركون الى الغيب والاتجاه الى المساجد للتعبد حتى ياذن الله بزوال اسرائيل، مع اننا نؤمن ان الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم..

وسياسيا، يشعر القادة العرب بخيبة امل كبرى، واحراج كبير فبعد طول خدمتهم للغرب، لم تتوانى اميركا في كشف عوراتهم ولسان حالهم يقول: كانت قد فعلت اميركا خيرا لو انها فعلت ماتريد دون هذه الضجة ، فعبر عقود كانت الصهيونية واميركا تفعل ماتريد دون اعلان وفضيحة فيما يقوم خدمها العرب بالاستنكار وعقد المؤتمرات واصدار البيانات..

كثير منا نحن العرب، لم يعد قادرا على سماع كلمة فلسطين، بعضهم يشعر بضجيج في اذنيه، وبعضهم يشعر بفورة حقد على الفلسطينيين، بعضهم يعيب على الفلسطينيين السكوت، وبعضهم يعيب على العرب جميعا السكوت متناسيا انه واحد من الصامتين.. ولكن الاخطر هم اولئك الذين يعتبرون فلسطين هي سبب مآسي العرب، وكانهم هم من احتل الارض واغتصب الحقوق، متناسيا ما تعنيه الصهيونية وماذا فعلت بالعالم كله والعالم العربي بوجه خاص..

العرب للاسف قوم بذاكرة معطوبة، لايقراون التاريخ ولايهتمون بعبره، ولو كانوا كذلك لظلوا دائما يتذكرون كلام بن غوريون اول رئيس وزراء لاسرائيل، الذي قال فيه (ان على اسرائيل ان تعمل على تفتيت ثلاث دول، العراق –سوريا –مصر، وان نشغلهم بحروب وصراعات طائفية وان نجاح هذا المشروع لايعتمد على ذكائنا بل على جهل وتخلف العرب)..

مع كل ذلك فان ما كشفته خطوة ترامب ايضا، ان هناك شيء من ضمير انساني عالمي مازال حيا، فها هي بعض دول اوروبا وقفت موقف الضد من هذا القرار، واعتبرته خطوة منافية للقرارات الاممية التي تنص على ان القدس ارض محتلة، وان ليس من حق الاحتلال تغيير ديمغرافية المناطق التي يحتلها، كما ان بعض دول اوربا ايضا ترى ان مثل هذه الخطوة تعيق عملية السلام التي يامل الكثير منهم اتمامها على اساس حل الدولتين بما يضمن الهدوء والسلام في المنطقة وصيانة الحقوق والاتفاقات الدولية والقرارات الاممية..

شخصيات اعلامية وسياسية ومفكرون وذو راي ليسوا عربا، يمتلكون ضميرا ومعرفة بالحقوق والالتزامات، يتحدثون بمنطق العقل والقانون والارادة الانسانية، اعتبروا ان ما تقوم به اسرائيل هو ارهاب وعنصرية واحتلال وخرق لكل القواعد الانسانية، ولكن العرب للاسف يتصرفون بمنطق الوهم والعاطفة والاراء الشخصية المبنية على الخيال والامنيات والاحلام..

اما قادة العرب خاصة، فحالهم كما وصفته علا الفارس مقدمة البرامج في محطة الام بي سي السعودية في تغريدتها على حسابها الشخصي والتي كانت سببا لابعادها وايقافها عن العمل: (سيستنكرون اليوم وغدا يغنون هلا بالخميس)..

1 تعليقك

  1. مقال صادم اخي حسن لكنه صادق ومعبر عن الواقع الموسف في بلادنا المنكوبة بقيادات مستكينة ومستغلة
    عزءنا في يقظة الضمير العالمي ووعي كل القوى المحبة للسلام وتصديها لكل انماط العدوان والظلم والقهر

اترك رد