للحب كلمة أخيرة


 

حين تقع عليها عين الناظر لاتستطيع إلا أن تصفها بأنها فتاة جذابة و جميلة .. إذ قلما تجتمع الصفتان في وجه واحد ..
لم أعرفها سابقا .. التقيتها بالصدفة في بيت صديقة لي .. في جلسة ضمت عددا من النساء تراوحت أعمارهن مابين العشربن والخمسين ..
خيل إلي لحظتها أنني أمام باقة من الورد .. مختلفة الألوان .. و الأشكال والعطر ..
فلكل إمرأة عطرها الروحي المميز كما عطر الجسد ..
قد كان هناك من جعلتها الحياة أكثر حكمة .. ومن جعلتها أكثر شبابا .. وهناك من أغرقتها بالحزن .. وهناك من لازالت لم ترى منها غير لونها الوردي وتحلم بكل جميل .. و هناك من بدأت للتو وضع خطوتها الأولى على دروبها .. و ترى الأرصفة عرائش من ياسمين ..
اللقاءات هنا في المنفى تشبه الدروس التعليمية عادة .. فبداية الحديث أو مقدمة الإجتماع عادة ماتدور حول الوطن وأخباره وماآل الوضع إليه .. ليتشعب الحديث بعد ذلك في الخصوصيات و أحداث الحب والزواج والغياب و المنفى .. وهذا لب الجلسة عادة .. لينتهي اللقاء بانطباعات الحضور عن بعضهم البعض خلال المغادرة و الإنتهاء ..
لذا حين دار الحديث عن الحب في جلستنا .. كانت قصة هذه الصبية الحدث الأبرز .. أصغينا إليها جميعا وهي تروي لنا حكايتها ..
كانت ابنة بيئة منفتحة .. بعيدة عن التزمت .. تأخذ من الحياة كل مالذ وطاب وتستمتع به دون تجاوز لحدود الأخلاق العامة .. لم تعاني في حياتها وإخوتها من اللاءات الجائرة .. لذا نشأت قوية الشخصية والإرادة .. نوعا ما تعلم حدود حقوقها وواجباتها التي حاولت دوما أن لاتتجاوزها .. لكن القدر له ترتيب أخر معها ..
فبعد حصولها على الثانوية العامة .. كانت الجامعة خطوتها اللاحقة .. انتسبت إليها ككل بنات جيلها في فرع يحتاج الكثير الدراسة والتركيز .. وهناك في الجامعة التقته ..
يسبقها بعام ومن مدينة غير مدينتها .. الغريب في الأمر أنها كانت تراه من بعيد إنسانا شديد الغرور .. لذا تحاشت دوما الإحتكاك به إلى أن جمعتهما الظروف في إحدى رحلات الجامعة .. والتي غيرت نظرتها فيه للأبد … فمن الإشتراك بفريق واحد للعب ولدت النظرة والضحكة والكلمة .. وكان الحب ..
كانت خالية من تجارب الحب .. قبل أن تلتقيه ..
وكان هو بها خبيرا .. ربما لأن مجتمعنا الشرقي يبيح للشاب ذلك دون أن يلومه عليه وبل يبارك له ويعتبره دونجوان لايستهان به …
أحبته حدود الثمالة .. و أجزم أنا بعد استماعي لقصتها أنه أحب براءتها وخلوها من علاقات سابقة .. لذا تمسك بها للنهاية .. وإن كنت بذلك أظلم شخصيتها وجمالها .. لكن الأيام علمتني أن متعددوا العلاقات هم الأكثر تعقيدا بهذه الناحية ..
و ماساعد هذه العلاقة على الإستمرار بعدها عن عيون الأهل والرقباء ..
فكان إن انتهت سنوات الجامعة بسلام لتأتي اللحظة الحاسمة حين تقدم لخطبتها .. هنا فاجأها الرفض القاطع لأهلها .. مدينة أخرى وشاب لا يعرفون عنه شيئا .. مبتدىء بسيط الدخل .. متواضع الأصل في نظرهم .. مستحيل لاتفكري بذلك تحت أي ظرف ..!! رفض أثار عجب الجميع .. !! نظرا لحيز الحرية الكبير الذي كانت تؤمن به العائلة في الرأي والإسلوب .. والذي لم يشفع لهما بشيء .. وسطت الجميع لدى والديها .. الأصدقاء .. الخالات .. الأعمام .. عبث .. فالأهل يبحثون عن فرصة أفضل وضمن حدود المدينة ..
فكان اليأس مصيرهما .. افترقا على أمل تحسن الظروف ..
رفضت خلال هذه الفترة جميع من تقدم لها …
فكانت الثورة و التي انتهت لحرب لا رحمة في جرابها .. دفعت الملايين للهروب إن داخل الحدود أو خارجها .. فكانت وعائلتها من ضمن اللاجئين هنا .. تفرق إخوتها في المنافي البعيدة .. وبدأت هي البحث عن فرصة عمل بهذه الظروف الصعبة ..
وحين يبتسم القدر .. لايجب عليك أن تتساءل عن حجم الإبتسامة .. لأنها ستكون أكبر من كل التوقعات ..
التقته في رحلة البحث هذه .. لاجئ مثلها .. لكنه يملك عملا هنا .. و عادت العواطف تطل برأسها من جديد في عالم متهالك من الألم .. هذه المرة حين تقدم .. رحب الأهل به وجداً أيضا ..
تقول هي تعاونت كل الظروف لصالحي .. صعوبة الحياة وحاجتهم للتخلص مني بهذه الظروف .. أو كما يقال فلنضعها في عنق رجل يكون مسؤولا عنها و نكتفي ..
فكان إن توج ذلك الحب القديم بالزواج أخيرا .. بعد طول فراق .. اليوم هي تنتظر طفلها الأول .. تضحك وفي قلبها غصة قائلة : يسؤوني أن أردد ذلك … لكنني أحد المستفيدين من هذه الحرب المجنونة فلولاها لما تزوجنا ..
حقا .. فالكلمة الأخيرة للقدر ..

1 تعليقك

اترك رد