مغامرة فيسبوكية


 

حدثني أحد أصدقائي الذين أكل الدهر عليهم و شرب و النشوة تعصف برأسه : متأخراً بدأت بمعاقرة الفيسبوك ، نعم ، معاقرة الفيسبوك ، لأنه لا يقل عن أيّ مخدر آخر ، و فعلا استولى علي الفيس و بدأت بخوض تلك المعارك الحامية على جدرانه الصفراء ، لوهلة ، تخيلت أن فرصتي قد أتتني أخيراً لأربي جيلا قادرا على التعبير عن نفسه ، متسلحاً بخبرات المعرفة ، و متمتعا بحس المسؤولية الملقاة على عاتقه .
بعد مدة ، بدأ المرحوم والدي بزيارتي في أحلامي ، و كان يبدو عليه الغضب كلما زارني ، كنتُ بعد كل زيارة أقرأ له الفاتحة ، و أتبرع بالقليل من المال كصدقة قد ترضيه عني أو على الأقل تخفف من زياراته الغاضبة .
بعد حين ، بدأت المرحومة والدتي تزورني هي الأخرى في أحلامي ، و بغضب كان وقعه أشد عليّ ، و بما أنها والدتي التي اعتدنا الصراحة فيما بيننا ، فإنّها فاتحتني بأسباب زياراتها الغاضبة لي ، هي و والدي ، و التي فاجأتني أنها كانت تتعلق بالفيسبوك ، و ما كانت تجره عليّ تلك الحروب الدون كيشوتية على أرواح أهلي من لعنات و شتائم .
طبعا تلك المعلومة لم تكن لتخفى عليّ ، فقد كنتُ اُشتم من الاسلاميين و من الملحدين على حد سواء ، كانت الشتائم تطالني من مؤيدي السلطة و من معارضيها ، من داخل الوطن و خارجه .
كانت الشتائم تصلني بعد كل تصحيح لمعلومة أراها خاطئة ، أو بعد كل تعليق لي يحوي وجهة نظري من القضية المطروحة .
كانت الشتائم و حفلات السباب هي وسيلة التواصل الوحيدة على الفيسبوك ، و لم يكن لدي من بين أصدقائي من يتابعني أو يعلق على طروحاتي ، اللهم إلا منشورات اعتذاري عن المتابعة لدخولي المشفى أو خروجي منها .
في إحدى المجموعات ، كانت تنشط شابة صورة ملفها الشخصي مثيرة للعين ، و للحواس طبعا .
تلك كانت الوحيدة القادرة على أن تضبط ايقاع المناقشات ، و كانت منشوراتها تحظى بأكبر عدد ممكن من المتابعة .
تسللت خلسة لمتصفحها الشخصي لأكتشف من هذه المرأة الحديدية ، و لكن صفحتها لم تكن تحوي أكثر من منشورات ( جمعة مباركة ) و ( تصبحون على أحلام دافئة ) لفتني الأمر ، و قررت أن أزيّف متصفحاً خاصاً بي يحمل اسماً مزيفاً كحلم برئ ، أو دمعة سفر ، أو تائبة لربها .
انطلقت و الميكيافيلية تدفعني ، هكذا ، أسيطر على الرعاع ، و أستطع أن أبث فيهم علمي و خبرتي الحياتية ، بل و قد يتطور الأمر لأشكل مجموعة أتحكم بنقاشاتها أنا و أطرح بها آرائي التي سيتقبلها الغير لأنني أنثى .
هنا ، غزاني بعض الغيظ من فكرة صديقي ، و حدثتني شياطيني أن أفعل مثله ، إلا أنه عاجلني :
صممت المتصفح الجديد ، و اخترت له اسما جذابا و صورا لا تقل جاذبية ، و لكن الشيء الذي لم يخطر على بالي ، أنني لم أعد أجد وقتا لأجاوب به على كل الرسائل التي بدأت تصلني ، و بتطور آخر ، تلك الاتصالات المرئية التي بدأ البعض يطالبني بالرد عليها تحت طائلة قرصنة المتصفح و سرقته أو إغلاقه .
هنا ، وجدت أن الأمر قد تحول لكابوس ، فقررت مغادرة ذلك الفضاء الأزرق الموبوء بأسرع وقت ، دون ندم أو أسف أو حتى مناقشة .
أنهى صديقي العجوز كلامه و علامات الهم تغزوه ، فلم أتمالك نفسي من الضحك ، بل أوقعتني ضحكتي أرضاً ، و تأكدت حينها أن العمر مهما امتد بنا ، فإنه لن يتسع لأن نحظى بكل الخبرة و بكل الحكمة و بكل التوفيق .

لا تعليقات

اترك رد