مساحات منتظمة تتخللها الحروف الحركة عند ألفنان رافع الناصري


 

ألفنان – رافع الناصري – بعد أن تخرج من معهد الفنون الجميلة في بغداد، ثم درس فن الكرافيك في بكين الصيننية جعلت لديه مهارة عالية في تعلم التكنيك المهاري المقرب إلى الحرفي ألذي يحتاج إلى إكتشاف الأسرار والخبرة في تطبيقات تكنيكية على مواد مختلفة منها على الكاوج والنحاس والزنك والورق بأنواعه وتكنيك الليثوغراف والحفر على الخشب ألذي أختص به، وغيرها من المواد والخامات. وبعد مرحلة جذبه الإنشداد نحو تطبيق وإدخال الحرف العربي بأنواعه المختلفة على تكويناته ألفنية ومنها التجريدية ألتي تميز أسلوبه المقارب إلى تكوينات محاطة ومنظمة بشكل هندسي منتظم. وتعد الحروف العربية ذات صيغة شكلية وتطبيقية مختلفة عن حروف اللغات الأخرى. على سبيل المثال، حروف اللغة الإنجليزية تأخذ أشكال هندسية في زواياها الحادة.

أما حروف اللغة الصينية فإنها تتقاطع بخطوط أفقية وعمودية لتشكل أشكال تقترب من أبواب وشبابيك وأشكال معمارية هندسية، وكذلك الأمر ينطبق على لغات أخرى وبهيئات مغايرة إلى حروف اللغة العربية ألتي تتصف بالمرونة في الحركة والبناء الشكلي الإنشائي ألذي يشكل أحياناً أجساد ووجوه وطيور وتكوينات متعددة. وكما هو معروف إن الحرف هو أحد عناصر ألفن التشكيلي ألذي يبدأ بتجاوز النقاط ليشكل خطأ مستقيما (أ) ثم يليه حرب الباء ألذي يشكل الخط الأفقي ثم يعلو أطرافه اليمنى واليسرى بداية الخط الرأسي القصير ثم ينحني إلى داخل الحرف. وهكذا تتوالى تشكيلات الحروف ألتي جذبت ألفنان – رافع الناصري – وغيره من الفنانين ألذين أدخلوا الرموز التراثية العربية عموما والإسلامية خصوصا. وكما هو معروف أيضا أن الحروف ألتي تم ذكرها هي لاتخص اللغة العربية فحسب وإنما لغات لأمم أخرى منها الفارسية والتركية وغيرها.

و تمتاز الحروف العربيّة عن غيرها من الحروف باتّصالها ببعضٍ ممّا يجعلها قابلةً للتّشكيل والتّنويع الهندسي المرن من تدويرٍ وسحبٍ وتشابكٍ وتداخل، وليس مقيد بزوايا حادة. وبالرغم من ميوله الكبيرة إلى تطبيق الرسم الواقعي المشخص وخاصة كونه تدريسي في معهد الفنون الجميلة ليطبق منهجية التدريس الأكاديمي أمام طلبته وبمهارة عالية، إلا أن إنشداده نحو فن الكرافيك بقي ملازما له لحين سفره إلى البرتغال عام 1967، حيث درس في (لشبونة) الحفر على النحاس.

في تلك المرحلة كان إدخال الخط العربي ملازما لميوله التشكيلية وبمواد الأكريليك ألتي إستخدامها لما تمتلك من سرعة المراحل في الجفاف. كما نستخدمها نحن في الأعمال الحالية المعاصرة وعند أغلب الفنانين، برغم أهمية مواد الألوان الزيتية في الديمومة والمقاومة للأجواء وشكلها المظهري. بعد تلك المرحلة من التطبيق الإنتاجي له، كانت له نشاطات مرافقة لأعماله الفنية المتميزة، منها تأسيس ( جماعة الرؤية الجديدة) مع نخبة من التشكيليين العراقيين بعد عودته إلى العرق عام 1969. وكذلك شارك في تأسيس (تجمُّع البُعد الواحد) مع الفنان الراحل شاكر حسن آل سعيد”.

ومن المعروف إن تطبيقات أعماله الكرافيكية على مادة الخشب، أمرا صعبا يحتاج إلى مهارة وخبرة مختزلة ومخزونة في الذاكرة من خلال التجريب الثري بالمعرفة الإدراكية والتطبيقية. كون مادة الخشب، عكس مادة الطين ألتي يمكن التحكم ببنيتها التكوينية مقارنة مع نطاق المتغيرات التي تتكون في مادة الخشب، حيث تحتاج إلى الحذر من إزالة أوصال منها، أو حفرها يصعب معالجتها أو تعويضا كما هو في مواد أخرى أكثر طوعا وتغييرا. لقد كانت مضامين أعماله الغرافيكية من مصادر لإجراء الطبيعة ببريقها الصاطع والمجلب للأنتباه والإثارة، ولكن بإختزال ودقة في التدرج والأختصار. حيث تبدوا أعماله وكأنها إنطباعية واقعية وليست تجريدية مختصرة في التفاصيل. من ذلك يتضح أن أعماله تجمع بين مصادر التأثر بأجواء الطبيعة جماليات أضواءها ومحتويات مضامينها التعبيرية، وإدخال جماليات حركة الخطوط بطريقة متداخلة مع تفاصيل وحداتها التكوينية.

إنها حروف وعبارات لاتكتمل في القراءة وإنما تكتمل بما يناسب وجودها التكويني من خلال إختفاء حدود حافاتها الغائرة. وقد يكون تأثر ألفنان – الناصري – بجماليات أجواء طبيعة لشبونة الصينية بألوانها غير المعتمة تدركه مشاعر وأحاسيس فنان محترف في الأداء والإدراك المعرفي. تغطي على أجواء أعماله مساحة فائقة من اللون الرئيس، ثم تخلله ألوان محايدة وأخرى مغايرة. بطريقة مناسبة ومتدرجة تتخللها حركات من التخطيطات الدقيقة أشبه بتخطيطات الأقلام المتدرجة على الورق. وتنقسم اللوحة الواحدة إلى مساحتين من التكوين ولكن تسودها الأجواء اللونية الواحدة. وأحيانا مقاربة لها من نفس الفصيلة، أو مغايرة في التضاد وهذا الأمر نادرا، حيث يبدوا الإنسجام اللوني في كل المساحات. وتزداد الإثارة التراجيدية من خلال تدخل الألوان المعتمة بحدود فضاءاتها التكوينية,وكأنها تحكي حكاية حكاية داخل نفسه لأحداث معينة. وبصورة عامة تسود أجواء أعماله الألوان الحارة، ألتي تعكس أحداث إنعكست تخليدا في الذاكرة من بيئته الخاصة والعامة للبلد، كما هو لدى الأغلبية من الفنانين العراقيين، لاسيما الأحداث المتوالية ألتي قطعت شوطا من الزمن. ومن مضامين إنجازاته الإبداعية هي تجسيد لقصائد شعرية لزوجته – مي مظفر – عالماً جمالياً عاطراً بأنوثة سماوية مبدعة، مي مظفر التي رافقته سنين عمره، تعانقت أحاسيسها الشعرية مع أعماله ألفنية التشكيلية.

ومن ضمن هذه المنجزات ألتي تتعلق بقصائدها الشعرية بتوضيف الحروف، ففي عام 2008، كان – الناصري – قد رسم لوحة ضمَّنها قصيدة من قصائد زوجته مي مظفر. لقد زاوج الناصري بين تأثيرات الأجواء الأوربية والصين ألتي منحته أفقا واسعة من التطلع والمواضبة والتجدد بما يمتلكه من مخزونات جلبها معه من تجاربه السابقة، لقد أضافت له فيضا من التجريب بتكنيكاتها المعاصرة نحو التجريد. لم تقتصر على تلك المحدودية من الإضافة والإتجاه الجديد وإنما أضاف له دفقا من الروحانية والأصالة الشرقية، وإن تجربته الصينية ظلت تحتفظ بوقع خاص، وإنها صاحبة فضل كبير في تطوير أدواته الفنية وبلورتها في وقت مبكر، إلا أنها لم تكن قادرة على منحه ما يريد من أعمال تنحو نحو آفاق التوسع الفكري والتجريبي المستجد، وهذا ما حصل لتجاربه في أوربا، مضافاً لها وحدات تراثية لمحيطه السابق ومنها الحروف العربية بشكل جمالي منسجم.

لقد كان إستخدامه للحروف ذات الإمتدادات والانحناءات المنسابة، بمختلف حروفها، مؤكدا من خلال أعماله بأن الأعمال لاتقتصر على التكنيك الشكلي الجمالي وأنما أثرائها بالمضمون الهادف. وعلى ألفنان أن يكون متفردا في الإختيار وليس بطريقة المطابقة والتقليد ألتي تقترب من السرقة وضياع الخصوصية. ولقد أشارت زوجته الشاعرة والقاصة مي مظفر الخالدي: حين شرع الناصري بالبحث عمَّا يمكن أن يميز أشكاله المجردة، لجأ إلى الحرف العربي لما وجد فيه من خصائص ثقافية وشكلية ذات طابع شرقي، وجاء إستخدامه لهذا الحرف ضمن تصويره سطوحا متجاورة، أو متداخلة ذات ألوان صافية، وقد ظل الحرف العربي واحداً من الرموز الأثيرة إلى نفس الفنان، يتجلى لديه في حالات مختلفة، فهو وإن لم يعد يشكل العنصر الرئيس في اللوحة، إلا أن ظهوره ظل يتكرر بين حين وآخر في ثنايا التكوين من بين إشارات أخرى ذات دلالة على الوجود الإنساني. لقد غادر ألفنان – رافع الناصـــري – وطنه حزيناً باكياً على ما حصل من أحداث مضت وتوالت لاحقا، ويظل في مناف عدّة لعلّ أهمها الأردن والبحرين، وقد أستقر في عمّان، ومكث فيها حتى أعتلى المرض روحه، ليغادر عالمنا موتاً في الســابع من ديســـمبر، وليفقد العالم فناناً أصيلاً أحبَّ الحياة والطبيعة وفن الكرافيك، بأسلوبه المتميز .

ولد الفنان التشكيلي العراقي رافع الناصري في عام 1940، ودرس في معهد الفنون الجميلة في بغداد من عام 1956 حتى عام 1959، وفي الأكاديمية المركزية في بكين من عام 1959 حتى عام 1963، وتخصص في الغرافيك (الحفر على الخشب). اقام اول معرض له في هونغ كونغ عام 1963، وبعد عودته إلى بغداد، درس في معهد الفنون الجميلية إذ كان فنه واقعيا تشخيصيا. سافر الناصري إلى البرتغال في عام 1967، ودرس الحفر على النحاس في لشبونة، في هذه الفترة اكتشف جماليات الحرف العربي وأدخلها في تكوينات تجريدية، كما أكتشف الاكرليك واستعمله بدلا من الألوان الزيتية. أسس جماعة (الرؤية الجديدة) مع عدد من الفنانين العراقيين بعد عودته إلى بغداد سنة 1969، وشارك في تأسيس تجمّع (البعد الواحد) مع شاكر حسن آل سعيد. ترك رافع الناصري بغداد في عام 1991، ودرّس في جامعة إربد في الأردن وساهم في 1993 بتأسيس محترف الغرافيك في دارة الفنون في عمّان، وأشرف عليه لبضع سنوات. درّس سنة 1997 في جامعة البحرين وأصبح مديرا لمركز البحرين للفنون الجميلة والتراث، وأقام في المنامة عام 1999 معرضه المهم (عشر سنوات… ثلاثة أمكنة)، ثم عاد وأقام في العاصمة الأردنية عمان مع زوجته الكاتبة والشاعرة والناقدة الفنية مي المظفر.

أقام رافع الناصري عددا كبيراً من المعارض الشخصية وشارك في معارض عربية مشتركة في بغداد و بيروت ودمشق و الدّار البيضاء و المنامة و عمّان كما شارك في كثير من المعارض العالمية في برلين ولشبونة ولندن وباريس ونيو دلهي وفردريك شتاد ووارشو وسيئول وساو باولو وجنيف ونورث تكساس. واصدر مجموعة كتب منها “فن الغرافيك المعاصر” المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1977، و”آفاق ومرايا ـ مقالات في الفن المعاصر” المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2005. واحتلت أعماله الصدارة في كثير من المتاحف العربية والعالمية.

لا تعليقات

اترك رد