من لا يجد العيد في قلبه لا يراه في شجرة


 

في صباح شتوي و من خلال نافذتي المطلة على الشارع انظر الى تساقط الثلوج بغزارة وهي تغطي الارض والاشجار بلونها الأبيض الفاقع ، لكنني كنت مجبرة على الخروج من بيتي الدافىء لموعد في المستشفى ، ركبت سيارتي متوجهة ً للقاء الطبيب ، وحين وصولي كان علي ان أُوقف سيارتي في الموقف المخصص للسيارات ، كنت المسافة بين الموقف وبين مدخل المستشفى بعيدةً نوعما ، ودرجة الحرارة تشير الى تحت الصفر ، مما جعل التذمر يدب بداخلي و انا أحدث نفسي عن المسافة بين مدخل المستشفى ومرآب السيارات ، في الأثناء كان البرد يهاجمني بشراسة مستقراً في ضلوعي التي راحت ترتجف كاوراق شجرةٍ تصارع الريح .
كان الطبيب ينتظرني ، فقد وصلت في موعدي تماماً باشر بعمله و اكمل فحوصاته ، ودعته وهممت بالخروج بعد ان ارتديت معطفي وإقفلته بأحكام خوفاً من البرد ، لأعود الى حيث وسادتي التي تنتظرني وأتوق لها بشغف . وعند باب المستشفى فتحت مظلتي كان البَرَدْ يتساقط بقوة وسرعة ، وكأن حباته تتسابق فيما بينها للوصول الى نقطة النهاية ربما تكون الارض او احد وجوه المارة لتعلن عن وصولها.
كان الناس يتراكضون منهمكون في الدخول الى سيارتهم او الابتعاد عن السماء وقايةً من الثلج ، لفت نظري رجل إنگليزي عجوز طاعن بالسن يخطو ببطء شديد يصارع حبات الثلج النازلة محاولاً تفاديها بصوته الخفي، كانت الريح تشتد بين الحين والآخر، والعجوز يزمجر منها بصرخةٍ خجولة ، الى جانب ذلك كان يحاول التركيز على خطواته القصيرة البطيئة بينما كانت خطواتي المتسارعة تسابق الريح للوصول الى سيارتي ، توقفت قليلاً أتلفت حولي ، كان المكان يعج بحركة بالأشخاص ،لكن لا احد يلتفت الى الشيخ المسكين ، كان يصارع العاصفة وحيدا لم يكلف احدهم نفسه لمد يد العون له ، الكل كان مشغول بأيجاد مكان يختبأ به، للحظة كدت أن اصبح واحدة من اللامبالين بأمر العجوز لكن صورة ما أرجعتني الى روحي ، لم استطع ان امر به دون ان يأخذني التفكير بعيداً الى قادم الايام حيث دورة الحياة وكرور السنين ، وكيف بي اذا وصلت الى عمر هذا العجوز، مِنْ ياترى سيساعدني كيف سيكون شعوري والناس يمرون من حولي كما هم الآن دون ان يعيّنوني على ضعفي كي أقطع المسافة القريبة البعيدة لأصل الى موقف الحافلة .
لم أتمالك مشاعري دون ان اقترب منه ، أمسكت بيد الرجل حاملةً مظلتي باليد الاخرى، وبدأنا نسير سويا مشيَّ الهوينا ، قطعنا مسافة تخيلتها انها طويلة لكنها لم تكن كذلك لم تتعدى ربع المسافة التي يجب ان نقطعها للوصل الى موقف الحافلة، كان لابد من الحديث كي تنسينا التفكير في المسافة، ونحن نسير سألني عن اسمي فأخبرته به ، حاول نطقه لكنه تعثر ، فهو الانگليزي الذي لم يعتد اسماءنا العربية ولا حروفها القاسية لكنه ابتكر لي اسماً جميلاً لمجاملتي من دون اعادته لأنه نسي الاسم.
جاء دوري للسؤال عن اسمه :
اسمي نويل كبابا نويل لأني ولدت في العيد المجيد وكنت هدية الرب لأمي بعد ٧ بنات هن اخواتي .
ثم سألني مرة أخرى اسمي يبدو انه نسي او اراد ان يتعود عليه ، ضحكت وقلت في نفسي عند الكبر يصعب تذكر الأشياء..
استمر الحديث بيننا فسألته: هل لك اولاد؟ قال لا انا وحيد ولم اتزوج بحياتي لقد كان حظي سيئاً مع النساء ، قالها بحسرة متأفأفاً لو كان عندي اولاد و بنات لكن احدهم الآن معي كما انت ِ تمسكين يدي.
اردت ملاطفته وتغيير الحديث فسألته أن كان سيحتفل بعيد الميلاد الذي سيأتي قريبا فقال: أالم أقل لكي انني وحيد لا املك من الاحبة من يحتفل بي أو بالعيد.
سرحت بفكري وخيم عليَّ الصمت ورثيت حال الرجل وخشيت كثيراً تلك الوحدة القادمة إلينا رغماً عنا .
كانت عيناه تبوح بوجعٍ الايام وبؤس الحياة والحزن. عصيةٌ سنين الوحدة قاسيةٌ أيامها .
لم يتوقف الحديث بيننا لكننا كنا نتنقل بين مواضيع شتى لم تكن مترابطة ، كان يملك الكثير من القصص التي لم يجد من يقصها عليه فكنت غنيمته في ذلك الصباح ، سعدت بمرافقته لكني وجدت بروحه عتمتة الوحدة والغربة القاتلة.
سألني مرة أخرى عن اسمي فضحكت وكأنه أراد فاصل ما بين حديثي مع نفسي .
لم يكن هذا العجوز هو الوحيد في هذا العالم الصاخب بالقسوة الذي يحتفل لوحده دون ان تمس روحه كلمات المحبين لترطَّب زمنه الذي أوشك على النهاية ، فقد ذكرت التقارير الصحفية ان في بريطانيا لوحدها هناك مليون شخص يحتفل لوحده في عيد الميلاد ، دون ان يكون للعيد طعماً في ارواحهم ، هنا تذكرت ابي العلاء المعري الذي كان يقول :
فلو اني حبيت الخلد فرداً لما أحببت في الخلد انفرادا
ومثلنا الشعبي يقول :
جنه بلا ناس ما تنداس

اوصلت العجوز إلى بيته ونسيت اسمه حينها فسألته عند الباب ما اسمك؟
قال يا عزيزتي انني نويل هدية الرب انسيتي؟

1 تعليقك

اترك رد