القدس .. ضياع الحقوق او قبول الامر الواقع

 

اتفاقية السلام الموقعة بين الاْردن وإسرائيل عام ١٩٩٤ والمسماة باتفاقية وادي عربة منحت عمان حق الوصاية على المقدسات الاسلامية في القدس ، وهي بدورها حذرت من مخاطر وتداعيات القرار الأميركي بنقل سفارة واشنطن الى المدينة المتنازع عليها بين الفلسطينيين والاسرائيليين واعتبارها عاصمة بديلة عن تل ابيب . لكن عمان وعلى ما يبدوا باتت تحس نفسها وحيدة في موقفها المدافع عن القدس امام قناعة عربية باتت مكتملة وان كانت غير معلنة بوجوب إيجاد حل للتعايش مع الإسرائيليين وإغلاق ملف الصراع الفلسطيني حتى وان تم الامر من خلال تنازلات تشمل حقوقا تاريخية للفلسطينيين في عاصمتهم .
الاردنيون يفكرون في اعادة النظر في اتفاقيات السلام مع اسرائيل من خلال مشروع يطرح في مجلس النواب وقد لا يأخذ هذا التوجه اطارا فعليا على صعيد السياسات الحكومية ، لكنه يحسب لصالح الأردنيين في سياق تسجيل المواقف المعلنة والرافضة لتحركات اسرائيل في القدس بعد ما بدا انه تجاهل واضح من قبل الاخيرة لمضامين تلك الاتفاقيات ومنها حقوق الفلسطينيين في عاصمتهم . اما المصريون وهم اول من وقع اتفاقية للسلام مع الإسرائيليين بعد حرب أكتوبر عام ١٩٧٣، فيبدوا موقفهم من القدس حتى الان غير واضح وان كانت التوقعات ترجح ميلهم الى حسم هذا الصراع التاريخي وتقبل سياسة الامر الواقع التي فرضها الاسرائيليون .
القاهرة وعلى مدار عقود كانت راعية للقضية الفلسطينية ولعبت في احيان كثيرة دور الوسيط بين الفلسطينيين والاسرائيليين ومن ثم بين الفلسطينيين أنفسهم ممثلين بحركتي فتح وحماس ، واستمر المشهد على هذا النحو حتى عام ٢٠١١ عندما اجتاح الربيع العربي مصر وسيطر الاخوان المسلمون على سدة الحكم بدعم من حركة حماس . وفِي عام ٢٠١٣ وبعد ان سيطر الجيش مجددا في البلاد واخرج الاخوان من السلطة أعيد رسم ملامح العلاقة بين مصر والفلسطينيين ، فأصبحت القاهرة راعية لطرف على حساب اخر ، خصوصا بعد اتهام حركة حماس بدعم المسلحين التابعين لجماعة الاخوان في سيناء .
جانب من الاعلام الغربي يعتقد ان العرب تخلوا عن القضية الفلسطينيية منذ امد بعيد ، ولَم يكن ترامب ليتخذ قرار نقل سفارة بلاده الى القدس لو لم تكن مصر والسعودية على علم بهذا الامر . فالحرس الجديد في المملكة العربية السعودية ممثلا بولي العهد الأمير محمد بن سلمان لم يعد يمثل الصراع على الطراز القديم في الشرق الأوسط بين إسرائيل والفلسطينيين الاستراتيجية الإقليمية المعتمدة بالنسبة له ، بل يتركز الاهتمام الان على المواجهة الشاملة مع ايران العدو اللدود للسعودية في المنطقة .
غير ان تجاهل العرب للقضية الفلسطينية وقرار ترامب بنقل السفارة الأميركية الى القدس قد يمهد الطريق أمام طهران لمد نفوذها أكثر في جميع أنحاء الشرق الأوسط، فهذه الخطوة ستزيد من تعاطف الشعوب العربية حتى في البلدان ذات الغالبية السنية مع شعارات المواجهة مع الإسرائيليين التي ترفعها ايران وحلفائها ، وتسهم في خلق اجواء إيجابية تسهل قبول التمدد الإيراني غير المباشر عن طريق الأذرع والكيانات المرتبطة بطهران ، امام حالة من التخاذل العربي المؤطرة بشعارات الاستنكار الجوفاء وقبول الامر الواقع الذي تفرضه اسرائيل حتى وان كان على حساب القضية الفلسطينية .
الدول الأوروبية ترفض السير على خطى ترامب والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ، لكنها ايضا تنظر الى نصف الكأس الممتلئة من القرار الأميركي وترى فيه فرصة للفلسطينيين لتحريك عملية السلام ، خصوصا بعد ان عادت فلسطين مجددا تشغل الصدارة ضمن اهتمامات المجتمع الدولي بما يضمن تحركا لإنقاذ الوضع الراهن ، اذا ما دخل الفلسطينيون في مفاوضات جديدة .

لا تعليقات

اترك رد