أيتام


 
لوحة للفنان علي الرسام

ظل اطفالك في المرآب ، ينظفون السيارات مما علق عليها من أوساخ ، ويستابقون لإرضاء الزبون ، أخرجوا من المدارس ، قبل ان يتمكنوا من حل الحرف..

– أولادك لا أستطيع تعليمهم

طوال النهار تسيطر عليك الخشية أن تفقدي أحبابا أعزاء ، من أجلهم بقيت صابرة على الهموم ، تتجرعين الصعوبات وتسعين للتخفيف عنها في هذا الخضم الطويل ، يم من العذابات لاقبل لك باحتمالها ، تنهمر عليك كما الغيث الشتائي ، وتتركك فريسة للهم والغيظ ، الى متى يمكنك الصبر؟ وأطفالك تسرق منهم طفولتهم ، ويقمعون ، وتصادر منهم حقوقهم في التعلم واكتساب المعارف الجميلة.

– اولادك يتعبونني ، لاأستطيع الإستمرار في إعالتهم

تفكرين ، ويطول بك التفكير ، لم تحل بك الهزائم؟ ، وتستبد بك الخيبات ، ولم تصدقين ما يزعم لك انه حريص عليك ، وانه مجبر ، لاحول له ولا قوة

يغسلون السيارات الكثيرة ، الواحدة تلو الاخرى ـ تستطيل همومهم ، وينسون ملاعب الطفولة ، يستحيل الواحد منهم رجلا تعتمد عليه العائلة في كسب رزقها ، وهو في مرحلة اللعب مع الاصحاب ، والجري خلف الاحلام المجهضة ، والصعوبات المنهمرة عليك بلا انقطاع.

لماذا تحل عليك اللعنات متواصلة؟ ، لاانقطاع بين اولها وثانيها وأنت لم تذنبي أبدا ، بقيت قائمة بواجبك طوال حياتك ، ولم تضري احدا.

يخرجهم من المدارس بحجة انه لايملك النقود لدفع الأقساط ، ويحكم على أولادك الضعفاء بمواصلة الهم والسعي خلف الرزق ، وانت حائرة تشتت ذهنك التساؤلات المتعددة، ويمضّك الشعور بالإثم الكبير ، كيف صمت حين أخرج الأولاد الصغار من مدرستهم ،وحكم عليهم بالسعي لاطعامه ، والجري خلف الرغيف العسير، على من بلغ الحلم وشب عن الطوق.

– تعبت ، وحق عليهم ان يعينوني

ولدك الصغير في السن الخامسة ، تعلم حديثا كيفية نطق الحروف ، وأنت موزعة لاتملكين دفع الضر ، أو تأخير الأذى عن فلذات صغار، أوشكت القوة

الظالمة ان تودي بهم، وتتركهم في غياهب مسقبل مظلم ،لااحد يعرف عنه شيئا

سيارات كثيرة ، وأولادك يسارعون في إرضاء أصحابها ، يصّبون الماء، يزيلون الغبار .ويمنحون اجرة عالية :

– خذ يا ولدي ، تستحق هذا واكثر

يجمع الصغير النقود على بعضها ، تتسع ابتسامته وهو يمني النفس ، انه سوف يقدر، على تحقيق بعض الاحلام الطفولية السعيدة ، وابتياع الحاجات التي تجعلك وإياه في سعادة ، وتأتي بالهناءة الى نفوس اخوته الصغار.

– سأشتري لكم ما تحبون

سيارات كثيرة ، ولدك الصغير منهمك في الغسل والتنظيف، وازالة ما علق بها من أوساخ ، حرص أصحابها أن تبدو نظيفة لامعة.

– أنت ماهر يا ولدي ، حفظك الله لوالديك..

يغسل ابنك السيارات ، ويسارع الى جمع حصيلة تعب الأيام ، عله ينجح في إدخال الفرحة الى نفسك البائسة ، وانقاذها مما وجدته من يتم وشقاء

– التكاليف شاقة علي

أنت في ضنك ، تخدمين في المنازل ، تغسلين الملابس وتنظفين الصحون ، وتدفعين الايجار ، وهو نزيل المقاهي وجليس الغانيات ، ينتقل من زهرة الى خرى ، يطيل الجلوس ، يتغزل ، يدمن مصاحبة الجميلات والانفاق عليهن من تعب الأولاد وعرقهم .

السيارات كثيرة هذا اليوم ، ولدك في نشاط كبير ، تعلو محياه البسمة ، لانه سوف يبتاع لكم ما تحبون ،مما حصل عيه لقاء جهد، ومثابرة وعمل

– كبر أولادك وأضحوا رجالا ، يعتمدون على أنفسهم

وابنك بعد كل سيارة تخرج يسارع الى عد نقوده ، لقد أصبحت كمية كبيرة ،قادرة على تحقيق حلمه في إسعادكم ، وادخال الفرحة الى نفوسكم

– سأشتري لكم لحما وفاكهة وأعطيك أجرة الطبيب يا أمي.

على حين غرة ،تسارع يد كبيرة الى انتزاع ما في يد الصغير

يبدو الاستغرب واضحا على وجه الصغير ، ينطق بعد أن ابتعد ابوه :

– لابأس، إنّه أبي

1 تعليقك

  1. موضوع حارق : اغتصاب الطفولة ممّن يُفتَرَض أن يكون راعيها: الأب!
    نصّ رشيق برسم هذه الصور المتواترة في مراوحة زادته بلاغة وتأثيرا على القارئ.
    بورك النبض والحرف.

اترك رد