التجريب والآليات النقدية


 
اللوحة للفنانة سرور علواني
اللوحة للفنانة سرور علواني

عندما لم تتمكن منظومة مفاهيم واليات ، وكذلك ممارسات النقد والأدب العربي من التخلص من التبعات النظرية للبنيوية والبنيوية التركيبية ، تحديدا ربما بسبب تضخم مهمة الادب العربي الذي قدر له ان يحل محل معظم الاجناس الثقافية والفنية العربية في مهمة التعبير عن الذات العربية التي تعاني اصلا اجتراءات وجدانية وأزمات وجودية حقيقة . ذلك التضخم في الطبيعة الوظيفية والاعتبارات تسبب في خلق امكانية زائفة للفن العربي المعاصر للتعايش الغير المحدود والمحمود مع العزل الفني الذي يحياه المبدع العربي ، ربما ذات السبب يبرز من جهة اخرى تغاضي الخطاب النقدي لدينا عن المحلية الداكنة التي غلفت النتاج الابداعي الفني العربي.
ان ذلك الانزواء والانعزال وربما الانكفاء وجد لسبب ، اما انحراف بعض الاجناس الفنية الى مناطق التزويق والزخرف المجاني كما في الغناء والموسيقى والرقص والعمارة ، او ما تشهده من استغناء الاجناس الفنية الاخرى اعني – الشعر ، السينما، والتشكيل العربي – عن المهمات القومية العريضة غير الممكنة وانبثاقها في خضم تحديات جمالية وتقنية اشد دقة وأكثر ذاتية وبالتالي اكثر قربا من الانفتاح والتزود بالمعارف المجدية من حيث التأثير في الجوهر الابداعي مما ادى لضمينها قدرة عضوية اصلية على ملاحقة موجات الانتباه العالمي للجمال وفق تقلب مقولاته الشكلية والبنائية.
فالتشكيل والشعر والسينما احيانا المسرح هي الاجناس الثقافية العربية التي وصلت وبامتياز لضفاف ما بعد الحداثة لتواكب مد ما يدعى اليوم (بالانتليجينهيا العالمية) متمنطقة بثلاث خصائص نوعية مكتسبة هي القدرة على التجريب المستمر والقابلية على تلقي هجوم النقد الكلاسيكي المشكل حينا والرفض احيانا ، والكثير من الانفتاح الشجاع والمندفع برغبة المواكبة وكسر الجمود.
ولنصل سريعا لمفهوم (ما بعد الحداثة) الذي يلقي بمقولات متشابكة لا يكترث التشكيل عادة إلا بخصائصها وصفاتها التي تبحث في الفصل والتحديد بين الاجناس الابداعية وهي بالأساس تنتمي لذلك القسم المفاهيمي من مقولات ما بعد الحداثة الذي يتصل بقلق مع الحداثة ويناور ليتخلى ويتقلب حينا وليجاري ويطور احيانا مستفيدا من الفتوحات الفنية التي اسست لها الحداثة.
اقول ان الحروفيات في التشكيل العربي هي الاساس ناتج فهم تشكيلي للحداثة وقد كانت من اجمل استجابات لمبدأ اسقاط الحواجز القيمية والادانية وبالتالي الفكرية بين الاجناس الابداعية . وهنا تأتي ما بعد الحداثة لترمي الى خلق المناطق الوسطية بين المعارف الكونية الخلاقة .. ما يعني الاستمرار والتقدم باتجاه هدم الحواجز لا بين الاجناس الفنية فحسب ، بل حتى بين العلوم والفنون والأساطير والسلوكيات اليومية ، ولا من حيث تبادل المفاهيم وتسريب القيم من احدها للأخر فقط ، بل حتى من حيث تبادل التقنيات وتداخل طرائق التنفيذ والإنتاج وهنا يمكننا النظر الى التصميم كأحد اهم نواتج الاخذ بمنطلقات ما بعد الحداثة كمصنف معرفي يزاوج ويداخل بين الفن والعلم وأفكار المسوقين ، ولا يقيم فرقا نظريا ولا تطبيقيا بين المنطلق الجمالي والإنتاج الكمي الصناعي للتواصلات التصميمية هكذا يمكن ان يكون النتاج الفني في رؤيته الحداثة بمكوناتها الاساسية.

لا تعليقات

اترك رد