القدس وتاريخ الخيانات


 

استوقفني كثيرا بكاء أحد المتداخلين على قناة عربية، تعليقا على قرار الرئاسة الأمريكية الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل واستعدادها نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، يبكي وكأن الفلسطينيين لم يعانوا يوما ولم تكن هناك قضية فلسطينية، يبكي وكأن القدس بداية المأساة أم كان عليه انتظار قرار الأمريكيين ليتذكر القضية الفلسطينية ويعيدها إلى الوجود. هل يستهزأ منا أم من نفسه وهل أصيبت الذاكرة العربية بالتلف المتعمد؟

ألم تؤخذ فلسطين بالقوة؟ ألم تسرق جلها ولم يترك لأصحابها سوى 10 بالمائة من الأرض الفلسطينية؟ ألم تحتل العراق وتدمر اليمن وسوريا وليبيا؟ وبدون وعي انتقل العرب من عدم الإعتراف بإسرائيل كدولة هاهم الآن يناقشون هل القدس عاصمتها أم لا. فقد قام الصهاينة عام 1969 بإحراق المسجد الٌأقصى ونام العرب ليلتها نوما عميقا وقالت غولدامايير آنذاك أنهم توقعوا ردة فعل قوية من العرب والمسلمون لكنهم لم يحركوا ساكنا، فتأكد لإسرائيل أنها لن تخشى العرب يوما ووجودهم كعدمهم، فما هم فاعلون الآن.

كيف الآن وهم يتآمرون على بعضهم البعض ودول تمزقت وتفتت إلى دويلات وديكتاتوريات عسكرية ومدنية تعود للواجهة بمباركة صهيوأمريكية، والبعض خان القضية العربية الأولى وكما يبين أمين معلوف في كتابه le dérèglement du monde أن التاريخ العربي هو تاريخ خيانات، وما نراه الآن في العديد من التنديدات ما هي إلا واجهة أريد بها تلميع وجودهم الذي لا ينفع في شيء.

يقول الباحث الصهيوني دافيد وينبرج وهو مدير مركز للدراسات الإستراتيجية أن الجيوش العربية لم تعد تخشاها إسرائيل وأن التهديد العسكري العربي قد تبخر ويضيف أن المجتمعات العربية من تونس إلى العراق تزلزلهم صراعات داخلية وسيصابون بمشاكل اقتصادية واحتياجات وبذلك سيصعب عليها مواجهة إسرائيل عسكريا ويختم قوله بأن إسرائيل تنتصر وانتهى العرب.

فبعد 100 سنة من وعد بلفور المشؤوم هاهي القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين تمنح لإسرائيل فمن لا يملك أعطى لمن لا يستحق، وهي نتيجة طبيعية للخيانة العربية ومنطقية حين نأخذ جل مجريات التاريخ بعين الإعتبار، إنها ليست صدفة.

التاريخ السياسي العربي تاريخ خيانات حين تواطأ العديد مع احتلال فلسطين وباعوا الأرض العربية للإنجليز وبعدها لليهود. إنها ليست مصادفة بل نتيجة حتمية لما تم طبخه بين العديد من قياديينا والغرب، الإعلام الصهيوني يقول أن خطاب الرئيس الأمريكي لم يكن ليحدث لولا موافقات عربية من الدول المجاورة. إنها أكبر عملية خيانة في التاريخ العربي الحديث بل إنها صفقة القرن.

إنه التوقيت المناسب لهذا الإعلان، قيادات مشتتة ودول مقهورة ومنهوكة في متاعبها، لقد اختار التحالف الأمريكي الصهيوني سنة 2017 لتكون سنة نكبة جديدة للعرب بعد خراب عربي أتى على الأخضر واليابس. ماذا ستقولون لأجيالكم القادمة أيها الخونة الباعة؟ ماذا صنعتم لأوطانكم ولفلسطين؟ ماذا جنت شعوبكم غير البؤس والظلم، أين المثقفون الذين لا يقولون الحقيقة ويصفقون للحاكم ويزغردون للديكتاتوريات العربية الجديدة؟ ما معنى أن تكون مثقفا ولا تجرأ على كتابة سطر واحد تقول فيه الحقيقة، تقرأ فيه الواقع بدقة ومصداقية وشفافية، لعلك تساعد مجتمعا سئم العيش في الأسفل وتحت رحمة نخب لم تنفعه في شيء.

القدس عروس عروبتكم، فلما أدخلتم كل زناة الليل إليها
القدس عنوان كرامتكم فلماذا تركتم حقها وركنتم إلى المستكبرين والظالمين
بعتم أرضكم ونسيتم درتكم المكنونة ورمز شرفكم
ماذا عسانا أن نقول لأمة ما زلنا نناديها فلا تجيب حتى شككنا أنها أمة.

1 تعليقك

  1. تحليل موضوعي اخي العبادي
    القيادات المشتتة المتنازعة فيما بينها وحتى داخل أقطارها والدول المنهكة بالقهر والظلم والنزاعات الفوقية المحمولة من الخارج والمدفوعة من الداخل هي سب الهزية النفسية والثقافية والسياسية والإقتصادية والمجتمعية

اترك رد