برقوق

 

بخرج جسد عاشور الناجي وعيون النسوة تشيعه، وأكتاف الرجال تحمله، اندثر حلم الفتوة إلا قليلا، فالحارة ولادة! تحمل في داخلها سر بقائها: النبوت المنقوع في الزيت والمحوج بالحبهان، الهمة التي تشاغل الكسالى، القوة تسري في أحفاده لم تمت معه.هو الكبير فلا يعقل أن يتعدى أحد على مقامه، سيرته باقية، يخشاه- وهو ميت- برقوق ذلك العتال الذي طمحت نفسه لمقامه بين الفتوات.
كل ألاعيب برقوق محفوظة منذ أن سرقها من كتاب القرية اليتيم، إنه بارع فقط في تكرار ما فات، آفة الحارة النسيان، ذاكرتها مصابة بالعطب، قبل أن يموت الناجي الكبير ضربت الآفة الماكرة أجساد الرجال، لم تعد النساء غير عدد مهمل.
يختال برقوق بما صنعه له الحرافيش من مقعد خشبي يتصدر الزاوية جوار المسجد القبلي، نودي به زعيم الحارة، وقف أبو وطواط فوق شرفة المؤذن.
لأجل هذا تراجع أولاد الناجي ملوا من زعامة فارغة، بيوتهم بلا طحين؛ لقد أخرجها الناجي الكبير صدقة قبل أن يموت، حتى إذا فشى في الحارة الوباء الأصفر كانوا بمنجاة منه، دائما يردد صدقة السر تطفيء نار الرب.
حظ حارتنا منكود فقد وقعت بين جهل الحرافيش بمقام الفتوة وتخاذل أبناء الناجي من ناحية وبين لؤم برقوق وشيطنة محروسة، استباحوا الزاوية نصب كل واحد منهم له راية، ولأن الهتيفة يجدونها سوقا زاعقة لمن يدفع لهم: نسوة تتدلل، وخمر تنثر، وجهلا يسود، وتخاذلا يخاف، تراجعت الحارة، جمع الصغار أجولة العيش الناشف من باب السيدة، طاف العجزة ببيوت السادة، برقوق فتوة شاطر، فرض الجباية على كل رغيف داخل، حتى الحمر بدا له أن يأخذ عليها المكوس.
تمضى الأيام وتغور المنارة في سبخة تلة الزعفران، عجيب أمر هذه الحارة يصيبها العجز لكنها لا تموت.
لما بدا القمر الفضي مدورا مثل قرص الخبيز المعجون بالزبد والذرة، تصاغرت محروسة إنها تكره التنور، تعلم أن النسوة يتمطين غزلانا على سرير موشى بالحناء، تعاود الحياة سريانها من جديد.
أوصت برقوقا أن يهدم كل تنور فيتركه حطاما.
تبا لها من مخادعة تسعى في حارتنا بالنميمة، حتى أنها سرقت النسوة الجميلات أحالتهن أرضا مالحة تموت فيها الأجنة، غضب برقوق فلم يعد ثمة حرافيش يتسيد عليهم، أدار في رأسه حيلة شيطانية؛ أن يوزع على كل باب ورقة ممهورة تستحلفه أن يبقى الفتوة الأكبر، يقيم الحفلات وتتراقص الغجريات القادمات من بندر دسوق حيث يقمن الزار ويختن الصغيرات، يضعن رماد التنور في ذلك الموضع، إنهن ينثرن الملح؛ لتصاب الحارة بالعقم وقد كان.
ومن يومها والبصاص الذي يعرفه الجميع بأنه رأس الشر في الحارة، بنى له مندرة قبالة زقاق الحارة البحري، يبعث صبيانه فيسبحون بمجد برقوق يهتفون له كل ليلة يغيب فيها القمر: برقوق الكبير اسم الله عليه اسم الله عليه.
لم يكتف البصاص بكل هذا، رسم لوحة بالحجر، نقش عليها اسمه، ومن يومها تلطم الحارة خدودها، لقد تعرت جرى الدود في المش مثل الجراد.
يكفي أن برقوق يمسح شاربه بعدما يفترس غزالة صغيرة تاهت من أمها، عم أبو طيفة في الزاوية ينادي غزالة تاهت يا ولاد

لا تعليقات

اترك رد