كاد الفن البدائي أن يكون حداثيا


 

كتب كلايف بل:” ينتج البدائيون الفن لأنهم لا بد أن ينتجوه، فالبدائيون ليس لديهم دافع آخر غير رغبتهم المشبوبة في التعبير عن إحساسهم بالشكل. إنهم عن زهد في خلق الإيهام أو عن عجز، يكرسون أنفسهم كليا لخلق الشكل. إلا أن الأمور قد تغيرت في الوقت الحاضر، وغدا الفنان مرتبطا براع ومرتبطا بجمهور، الأمر الذي عجل بنشوء حاجة إلى “المشابهة الأمنية الناطقة”. (ص.83)، ويعقب مترجم الكتاب في آخر الصفحة 85 موضحا: “يجب أن يقر في ذهن القارئ أن كلمة “بدائي” حينما ترد في حديث كلايف بل والنقاد الشكليين هي كلمة تمجيد وتشريف، فقد بلغ تقديرهم للفن البدائي مبلغا جعل صفة “بدائي”، حتى للفن الحديث، تحمل معاني الأصالة الكبيرة والإبداعية العالية والنقاوة الفنية القصوى”.

الفنان احمد الورديغي

وهذه الميزات والخصائص التي عرفت بها الفنون البدائية، إفريقية وأسيوية وأمريكية/لاتينية كانت عمود الأساس لبناء صرح الفن الحديث، كلنا يذكر انبهار فناني الحداثة الأوروبية بفنون تلك المناطق البعيدة عن أوطانهم: فنسنت فان غوغ Gogh Van (1853-1890) وتأثره بالرسوم اليابانية، وبول غوغان Gauguin (1848-1903)، وبابلو بيكاسو Picasso (1881-1973)، وهنري ماتيس Matisse (1869-1954)، وما وصلت إليه إبداعاتهم من سمو جمالي وأصالة كبيرة إثر تأثرهم بالأقنعة الإفريقية والمنحوتات الطوطمية البدائية. ولولا الاحتكاكات هذه بإبداعات الحضارات المنسية، التي كان ينظر إليها على أنها حضارات “دونية”، تعيش خارج الدائرة، لأمسى أولئك الفنانون الطليعيون ضحية التيه في متاهات الباب المسدود، يعزفون على أوتار”المشابهة الأمنية الناطقة”.

 

يجب الوقوف عند كلام كلايف بل وقفة قارئ متأمل، غير متعجل، لنتساءل ما إذا كان الإبداع الفطري العصامي، أو ما اتفق على تسميته جورا، بالفن الساذج هو من باب الفنون البدائية التي نعتها الشكلانيون تمجيدا، بالفنون ذات “الأصالة الكبيرة والإبداعية العالية والنقاوة الفنية القصوى”؟ لا شك أن الواقع يثبت ذلك. وحتى أكون أكثر وضوحا، أطرح للمقارنة أعمالا “فطرية” إلى جانب أعمال تجريدية حداثية، (وكلامي يقتصر على الفنون بالمغرب). فالأولى أصيلة، يصعب على متلقيها، ناقدا كان أم متذوقا، أن يجد مثيلا أو مشابها لها، امتتحت منه أشكالها ومضامينها، بينما أعمال التجريديين تتناسخ لتشكل نوعا من السيمولاكر

Simulacre الفاقد لكل أصالة. فأعمال الفن “البدائي” تذكر متلقيها حين يقف أمامها بذاتها فقط ولاتحيله، لابصريا ولاجماليا على غيرها. فمرجعية الفنان البدائي هي مشاعره وعواطف اتجاه الإنسان والمجتمع والطبيعة. فإذا أخذنا فناني الاتجاه البدائي بالمغرب، نجدهم انطلقوا في ممارستهم الفنية، من بعد اكتشافهم للوحات مشغليهم الأوروبيين، لكنهم حينما حملوا الفرشاة والأصباغ نسوا اكتشافهم وحاولوا رسم ذواتهم، بعيدا عن أي تأثير. كان بوسعهم أن يقلدوا رسوم مشغليهم، أو يطلبوا من هؤلاء تدريبهم على الرسم الواقعي حتى يصبحوا مثلهم، يتقنون تخليط الألوان ورسم الطبيعة والمنظور والنسب وما إلى ذلك، لكنهم وجدوا أساليبهم وتقنياتهم كافية للتعبير عما يخالجهم ويعتري ذواتهم. كان ممكنا أيضا أن يتفضل مشغلوهم بتلقينهم أولويات الرسم والصباغة، لكنهم عزفوا عن ذلك وأمدوهم بما هو أفضل إذ عملوا على تشجيعهم بتنظيم معارض لأعمالهم داخل الوطن وخارجه. ولو لم يظهر لهم شيئ أصيل يستحق التشجيع، ما أقدموا على ما فعلوه. إن سلوكهم هذا جاء منافيا لسلوك الفنانين الشباب الذين عاصروهم، فناني الحداثة الفنية. كان الفن البدائي أقصر جدار قفزوا عليه لبناء مشروعهم الحداثي، إذ لم يكن هناك غيره. فمن خصائص التشكيل المغربي، وهذه أعتبرها، شخصيا مزية، أن رواده كانوا فنانين بدائيين، تأسست بهم مدرسة أثرت في أجيال ومازالت إلى اليوم، عكس ما حصل في باقي الدول العربية التي تكون روادها بالمدارس الأوروبية أو تلقوا تكوينهم على يد فنانين أوروبيون، فكان فنهم نسخا لاتتجاوز عتبة تكوينهم. “إن الرسامين الأوائل المغاربة لم يأخذوا دروسهم في مدارس الرسم التي لم يستطيعوا حتى حدود السنوات الخمسين الالتحاق بها، ولكنهم أخذوها فيما هو أكثر فائدة، وهو ما يمكن أن نسميه روح العصر(…) إن إرادة القطيعة والميل إلى التعبير الذاتي عند الرسامين المغاربة، مصدرهما هو القلق الناتج عن توجه نحو الأحلام والخرافات والألوان والعلامات والرموز، تلك التي يزخر بها عالم جواني مرتبط بتاريخهم نفسه، إن حالات اليعقوبي والإدريسي وأحرضان دليل على ذلك” (طوني ماريني، مقال مترجم).

الفنانة فاطمة حسن

 

ربما أن الفن البدائي هو الأسلوب الوحيد الذي كان له رواد وأتباع.

إن أعمال الفن (العالم) لها حمولة مرجعية، تجعل المتلقي يربط ذهنيا أو بصريا أشكالها وألوانها بأشياء أخرى سبق له أن رآها، مما يفقدها بعضا من هالتها. فكثير من الأعمال التصويرية تتناص بوضوح مع تيارات ومدارس غربية، واقعية، انطباعية، سريالية…وكذلك حال الأعمال التجريدية، فهي إما هندسية ذات مساحات مسطحة من الألوان الأساسية، أو تكوينات ذات أشكال متحررة لاتبتعد عن التجريد

الغنائي، أو تنبثق أشكالها عن حركية شديدة وعنيفة، توظف الكف والذراع، وتمتح روحها من عوالم سولاج وفرانز كلاين أو بعض فناني الاتجاه الحروفي.

إنه من الصعب مثلا، مقارنة المخيال الذي يميز لوحات مولاي أحمد الإدريسي، أو حقول أحمد الورديغي الملونة، أو التعبيرية الشكل/لونية التي تميز لوحات الشعيبية، أو نوادر Anecdotes محمد بن علال، أو أعراس فاطمة حسن، والتكوينات الشكلية الخاملة التي عرفت بها بعض الأعمال التجريدية. فالفنان “البدائي” المحسوب على الفكر “الساذج” كما وصفه من لم يألفوا حضوره كمبدع كان أشد أصالة من الفنان “العالم” المتأثر بالشرق والغرب.

إن الفنان البدائي المغربي-هكذا أسميه تأسيا بالنقاد الشكلانيين -في ظني يعد رائد الحداثة الفنية قبل غيره. فبطريقته العفوية وبفطرته وبفكره المحدود وثقافته الشعبية الكتاتيبية، استطاع لا شعوريا، أن يثور على ما كان سائدا من ممارسات تشكيلية نخبوية كولونيالية، مواضيعها فلكلورية، تكرر أساليب تصويرية لا تحمل أية جمالية باستثناء الصنعة والمهارة التقنية، أصحابها من “أهل الصنعة”، من فئة “الأساتذة الصغار الذين كان بوسعهم أن يكونوا فنانين لو لم يستغرق التصوير كل طاقاتهم، فكانوا (…) لا يفتؤون ينسجون أحاجي تكنيكية ويجدون في حلها”.

 

 

الفنان محمد بن علال

 

مع الأسف أن نسج الأحاجي التكنيكية والجد في حلها يبقى العملة الرائجة حتى وقتنا الراهن.

إن الفنان البدائي حقق الثورة بدون شعور ولا تفكير عقلاني ولا بيانات حجاجية مشاكسة، ترفع من شأن هذا ولو كان دونيا وتحط من شأن ذاك حتى ولو كان مستحقا. لقد كانت ثورة الفنان البدائي ثورة عفوية حاك خيوطها بفنه، بأحاسيسه وليس بعقله، بأشكاله الدالة الفريدة. حقا أن غيره من معاصريه توفرت لديهم أشكالا دالة لكنها لم تكن أبدا فريدة، لأن عوالمها عقلانية Rationnelle، تغيبت كل إحساس Sensibilité وجداني مرهف. فسلوكها العقلاني هو ما تركها تتشابه فيما بينها، وتتناسخ من شخص لآخر، ولا تغدو تلامس “المشابهة الأمنية الناطقة”. فحينما نزور معرضا جماعيا، نكتشف حضور العقل مع غياب الحساسية، فتبدو اللوحات وكأنها من إنجاز شخص واحد، وأن المعرض فرديا وليس جماعيا: نفس الألوان، نفس الأشكال، نفس التموجات، نفس المواضيع ذات الصبغة الجنسانية، المتسترة بذكاء ومداهنة وراء الشكل، نفس الأسلوب التجريدي…

إن اللا تماثل الصوري والعفوية والتلقائية و “لا ثقافية” الفن إن جاز التعبير، ما دفع النقاد والمؤرخين الأوروبيين إلى اعتبار “الفن البدائي” أنه الفن المغربي الأصيل، وأن غيره يبقى تقليدا لما يجري في الغرب، بل لما تجاوزه الغرب آنئذ. فالفنان المثقف، غير البدائي يقف على أرضية تكتونية انزاحت من مكمنها الجغرافي وولجت الماضي والتاريخ، بينما الفنان البدائي كان يبدع وهو في حالة شعورية تجعله يعيش ماضيه في حاضره. حاضره هو، وماضيه هو وليس لغيره. لقد ثار الفنان “العالم” على الفكرة التي روجها النقاد الغربيون فلم يرض أن يكون الفن المغربي “ساذجا”ّ !، بل رفض حتى المشاركة في معرض يوجد به “فنانون سذج”!

 

 

 

الفنانة الشعبية

 

سلوك لم يلتزم به جلهم فيما بعد…بعدما تهافت رجال المال والأعمال على لوحات “الفن الفطري”.

الهوامش:

1- كلايف بل، الفن – ترجمة د. عادل مصطفى، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة 2013.

2- طوني ماريني، نشأة الفن المغربي المعاصر

المقال السابقنزع أظافر الوطن – ج2
المقال التالىإلى فلسطينَ طريقٌ واحدٌ
محمد خصيف ازداد بمراكش عام 1953 عضو سابق في الجمعية المغربية للفنون التشكيلية (AMAP) عضو سابق في الجمعية المغربية لنقاد الفن (AMCA) عضو في لجنة التحكيم البينالي الثاني للفنون التشكيلية – مسقط عمان أستاذ سابق لمواد الفنون التشكيلية وتاريخ الفن والهندسة المعمارية أستاذ سابق للفنون التشكيلية وتار....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد