نزع أظافر الوطن – ج2

 

في الجزء الأول من هذا المقال تحدثت عن خوفي من أن يتهمني بعض القراء بالشيفونية عند قراءة هذا المقال؛ لقد أكدت أني أبعد ما يكون عن التحزب لفئة أو جماعة أو عشيرة، الإنسان هو محور تقديري ومبلغ إهتمامي، لكن لا يعيب المرء أبدًا أن يحب وطنه ويخلص له. ذكرت كيف أن اللهجة المصرية انتشرت من المحيط إلى الخليج لحلاوتها وسهولتها على اللسان، وقدمت ما يثبت أن هذه الدولة – مصر- كانت حاضرةً في قلوب العرب، تشاركهم الأفراح والأتراح، لم تغب يومًا عنهم. جاء الوقت الذي سيعلن فيه بعض القراء اعتراضهم أو غضبهم مما سيقرأ ولكل هؤلاء أقول مقدمًا، أنا أدافع عن هوية مصرية أصيلة عمرها من عمر التاريخ، يحملها أكثر من مئة مليون مصري، يعتزون بها، كما يميل لها ويهفو إليها ملايين العرب عن طيب خاطر ومحبة وتقدير لدور هذا الشعب في خدمة العروبة والإنسان العربي حبًا في الله والتاريخ واللغة والدين. الأن وما أدراك ما الأن؛ أصبحت المحلات في مصر والبيوت المصرية وقنوات التلفزيون التي بالمئات ووسائل المواصلات العامة والخاصة لا تسمع سوى مشائخ السعودية، أو قراء جدد من مصر يتبعون الطريقة السعودية في التلاوة، أصوات تفتقر إلى الجمال، نشاذ يخرجك من هدوءك النفسي، وبإفتعالهم البكاء تصاب بإكتئاب وضجر. غاب عنا بفعل فاعل أصوات الشيخ عبدالباسط والشيخ الحصري والبنا والمنشاوي ومصطفى إسماعيل والشيخ محمد رفعت صاحب الصوت القادم من السماء لولا بقية من الصمود بسبب إذاعة القرآن الكريم، هو كتاب الله لكن كتاب الله لا يدخل قلبي بتلك الطريقة أبدًا وهى غير مألوفة لي! في الغناء؛ لم يعد على الساحة الغنائية صوت مصري واحد، احتكرت روتانا الأصوات المصرية ثم أغلقت القفص عليهم، فلا تسمع الآن إلا مطربي ومطربات الخليج. لقد تم سعودة مصر! أذهب إلى البنك؛ رسالة صوتية بالأرقام التي جاء دورها ورقم الشباك، أسمع صوتًا لسيدة خليجية تتحدث بلهجة خليجية! أتصل بخدمة العملاء لشركة فيديكس لنقل الطرود، الرسائل الصوتية والمسجلة لإتباع الإرشادات باللغة العربية، لكن اللهجة خليجية أيضًا، بعد دقائق، قام أحد موظفي الشركة بالرد عليً، أول شيئٍ، أبلغته إعتراضي على هذا التسجيل. مصر التي يعشق لهجتها كل العرب ويحبون سماعها كيف تختفي لهجتها. لهجة مئة مليون مواطن.. وتحضر لهجة لا تمثل هذا الشعب وذكرت له بالنص ” أنا أسجل إعتراضي

والمكالمة مسجلة، ووجب عليك تقديم هذا الإعتراض إلى المسؤولين”! ذهبت بابنتي للتسجيل في أحد برامج الأطفال على أحد القنوات التلفزيونية الخاصة (التي عرفت بمجرد الدخول إليها أنها صورة للسعودية وصدى للسلفية المصرية بطعم سعودي خالص) كانت المذيعة تقوم بتحفيظ وتدريب الأطفال قبل إذاعة الحلقة على الهواء مباشرةً، وقبل نهاية البرنامج، طلبت المذيعة من طفلة في السابعة من عمرها أن تغني غنوة للأم، المفاجئة أن الطفلة غنت أغنية سعودية لم أفهم منها كلمة واحدة! مصر والعالم العربي كله عاش على أغنيات محمد فوزي والثنائي العبقري عمو فؤاد وعبد المنعم مدبولي وأغنيات عفاف راضي مع عمار الشريعي ومحمد ثروت وغيرهم. كل هؤلاء لم يعد لهم في وطنهم مصر مكان.. ماما زمانها جايه أصبحت الأن في ذيل القائمة، ماما فضيلة وبابا شارو وماما نجوى ومدارسهم في تربية الأطفال اختفت. مثل هذا القول ينطبق على الإبداع والأدب فلم تعد مصر بنفس تأثيرها وقوتها، بل إن أكبر الجوائز هي جوائز خليجية، والفائز بأغلبها من الخليج. من أحضر لمصر العباءة السوداء وأجبرها على التخفي داخلها، من له مصلحة في أن تغير مصر ملامحها، ولون ثيابها الباعث على البهجة لتبدو كئيبة وبغير ملامح ومشوهة. أنا هنا أسجل للجميع اعتراضي، ولا يعجبني غير الثوب المصري القشيب، أريد مصر الحلوة الساحرة الفتاة ولوكان عمرها سبعة آلاف عام.. ستبقي عروسة تسحرك بجمالها ورقتها ووسطيتها.

لا تعليقات

اترك رد