شرق العلم … غرب الدين

 

الطبيب الياباني يوشينوري أوسومي فاز بجائزة نوبل… لكنه يحتفظ ببيته بمذبح للآلهة شنتو، وفي أغلب البيوت اليابانية التي قد يكون رب الأسرة فيها مهندسا كبيرا، أو عالما مهما، يقومون بالصلاة وإشعال الشموع والبخورللآلهة، لا يختلف الأمر كثيرا في كوريا، إذ تجد المؤمنين بالشمانية والبوذية والطاوية والكونفوشيوسية يؤدون طقوسا لا تختلف كثيرا عن الشنتو، وقد يكون بعضها أكثر غرابة، فالشمانية التي يعتبرها البعض ديانة الخوف والخرافة، تعتمد على العلاقة مع الأرواح والأموات من خلال شعائر يظنون بأنها كفيلة بشفاء المرضى أو جلب الحظ الحسن..
من مشاهداتي الشخصية رأيت في مدينة بروكسل تمثالابرونزيا لامرأة نائمة وُضع قبل قرن تقريبا في ساحة جراند بلاس، واعتاد المسيحيون أن يتبركوا به من خلال تمرير أكفهم فوقه.. وقد شاهدت الأمر نفسه في مدينة مونس القريبة من الحدود البلجيكية ـ الفرنسية، وفي مدن أخرى كثيرا منها فيرونا الإيطالية وبراغ التشيكية، وهذا ما يعزز التساؤلات المتكررة حول مساحة الخرافات والأساطير لدى الشعوب التي نضعها في خانة الأكثر تقدما على الأرض.. ما التفسيرات التي نضعها لدور العبادة المنتشرة في أمريكا لطوائف غريبة وأديان مختلفة.. بعضها استلت تعاليمها من المسيحية ثم ابتكرت ترانيمها ورقصاتها، وابتكاراتها لعلاج الأمراض بالروح القدس أو مسح الجباه بأنواع خاصة من الزيت.. في أمريكا تتوالد الديانات باستمرار لنجد اليوم ديانة الجيديز التي تمزج الطاوية والبوذية وتعبد أشكالا تشبه الكائنات الفضائية التي شاهدناها في فيلم حرب النجوم، وديانة الإيثارايس التي تعتمد اليوجا لجلب التوازن للعالم، ويؤمن أتباعها بالمسيح وبوذا وكريشنا، بينما يؤمن أتباع الديانة الرايالية بالمسيح وبوذا وكونفشيوس، ويؤكدون بأنهم يخاطبون الكائنات الفضائية التي ستنزل على الأرض في مدينة القدس في عام 2025.. وفي بوسطن ظهرت ديانة أوثاناسيا التي تقول: اقتل نفسك لكي تحافظ على الكوكب…. ونلاحظ أن جميع هذه الأديان والمعتقدات تلجأ إلى الميتافيزيقيا.. معتمدة على أن جميع النظريات العلمية خاضعة للمسائلة والتحقيق العلمي المختبري، وهي لا تملك نتائج مطلقة ونهائية بل نسبية قابلة للدحض والتطوير أو التراجع في بعض الأحيان، فالحقائق العلمية هي موضع شك دائم وتغير مستمر، فالعلم إذن لا يقين يعزز مشاعر الإرتباك واللاثقة لدى الناس فيهرعون إلى الأفكار المطلقة، المثالية، الماورائية، حتى إن كانت صعبة التحقق والتأكيد.. إنهم يبحثون عما يؤمنون به، هذا هو الواقع.. فيكفي أن تقدم الأديان خطابا روحيا مجردا لتقوم بردم الهوة الهائلة في الروح البشرية الهائمة، وهذا يعني أن أكبر ما اقترفته الديانات الكبرى هو تقديمها تفسيرات علمية وتاريخية وشرائع لم تكن مطلوبة منها في الواقع، وما ذكرناه من معتقدات لا تعني أن الغرب كله مصاب بلوثة هذه الديانات والمعتقدات، بل جماعات قد تكون محدودة أو مجرد أفراد، لكننا لسنا قادرين على إغفالهم لأن أفكارهم تجد قبولا وتزايدا مستمرا في أعداد معتنقيها، ويكفي أن نعرف أن من آمن بالبوذية في أمريكا تجاوزوا الثمانية ملايين، أي أكثر من عدد اليهود أو المسلمين هناك.. الطبيب الياباني يوشينوري أوسومي لم ينتظر أن يقدم له شنتو تفسيرات علمية للكون ليؤمن به، بل اكتفى بأنه حقق له صفاء نفسيا ورضى داخليا وشعورا غامرا بالاستقرار.. ولم ينتظر منه أية نظرية طبية.. ولعله سيشعر بالاستغراب والارتباك حين يعرف أن بعضهم كتب في بلداننا كتبا ورسائل دكتوراه عن ماء زمزم وحبة البركة وبول البعير، ما هذا الإقحام الغليظ للدين بأمور لا صلة له بها.. العلم تجارب ونتائج متغيرة، بينما تتعامل الفكرة الدينية مع المطلق الثابت، فكيف يتم الربط بينهما؟.. هذه العلاقة غير المتكافئة والتي يصر المسلمون على اعتبارها معادلة صحيحة لا جدال فيها، تسببت في إحداث تصدع كبير في بنية الدين الإسلامي، فقد سمحت للشكوك بالتغلغل والعمل على نسف الفكرة الدينية، لقد تبنى الدين فكرة أن معرفة جنس الجنين أمر مستحيل الحدوث، إلا إن ظهور السونار نسف الفكرة من جذورها، وغدت معرفة جنس الجنين بنسبة 100 بالمائة ممكنة، وهذا يعني أن الدين خسر في هذه الجولة خسارة فادحة، كان عليه تجنبها بعدم الخوض في هذا الأمر ما دام يخص الأطباء والمشتغلون في هذا المجال، لم ينتظر أي إنسان أن يقرأ في القرآن افتراضات بيولوجية أو كيميائية أو فيزيائية، بل غذاء روحيا هم في حاجة ماسة إليه، إلا إن رجال الدين تطوعوا لنسج أواصر بين الدين والعلم بسبب شعورهم بالدونية أمام الغرب الذي تواصلت نهضته وتقدمه العلمي حتى صار بالهيئة التي نراها عليها اليوم.. بينما لم يستطع المسلمون أن يقدموا شيئا حقيقيا يساهمون به في هذه النهضة بل العكس أحيانا، ولا يجب أن ننسى بأن رجال الدين حاربوا الكهرباء حين بدأت الحكومات آنذاك في نشر شبكاتها لأنها بدعة وكل بدعة ظلالة وكل ظلالة في النار، ورفضوا التلفزيون للسبب نفسه، كما رفضوا السيارة ومكيف الهواء… الخ، لكنهم في النهاية استسلموا للأمر وصارت هذه المفردات أساسية في حياتنا ولم يعد رجال الدين أنفسهم قادرين على الإستغناء عنها، إنهم لم يدركوا بأنهم أساؤوا كثيرا إلى الدين حين حمّلوه مهمة محاربة ناتج علمي ايجابي لا يقبل الشك، بسبب شعورهم المتفاقم بفوبيا أن الدين الإسلامي هش قابل للتهشم، وربما هذا ما دفع بعض رجال الدين إلى التشبث بفكرة المعجزات العلمية كسبب لاكتساب قوة للدين.. بعد أن صاروا يشكون بأنه لم يعد يصمد أمام حقائق أثبتت تعارضها مع نصوص دينية مسلم بها، خاصة تلك التي تطرح موضوعات ذات صبغة علمية، لم يفكر رجال الدين للحظة واحدة أن العلماء لا يفكرون البتة في الدخول بعملية تحدّ للنصوص الدينية سواء كانت توراتية أو انجيلية أو قرآنية، فما يهمهم هو المعطيات العلمية القابلة للقياس المنطقي بطرق القياس المعتمدة.. سواء كانت مختبرية أو تجريبية، وهم يعلمون يقينا أن أية معطيات علمية قابلة للدحض والتكذيب والتعديل وفق تغير معطياتها، مثلا، تم ابتكار الكهرباء فحصلوا على إضاءة بسيطة أول الأمر، لكن تطور الأفكار العلمية التي تعاملت مع الكهرباء طورتها بشكل كبير حتى تجاوزت قدرتها على تزويدنا بالضوء فحسب إلى تشغيل الثلاجة والتلفزيون وأجهزة التكييف والباب ذاتية الغلق وأجهزة الكمبيوتر..الخ لابد إذن من الإيمان بأن للعلم طريق لا يتوافق مع الدين الذي يسير في طريق آخر.. رغم أن كلاهما يؤديان إلى استقرار الإنسان الذهني وتوفير أسباب السعادة والرضى له.. ولابد من الإيمان بأن الدين بنصوصه وتراثه يتفاعل بقوة مع أخلاق الإنسان وضميره وحريته وسلوكه المجتمعي وقائمة الصواب والخطأ لديه، إنه يتفاعل مع علاقة الإنسان بالله وهذا هو أكثر الأسباب أهمية لوجود الدين في حياتنا.. لابد أن نرسم ستراتيجية متقنة لدعم العلم باعتباره الطريق الوحيد لتحقيق مستقبل أفضل لبلداننا ومجتمعاتنا، ربما تبدأ هذه الستراتيجية بالمناهج التعليمية ووسائل الإعلام والأسرة والدوائر الحكومية ومصالح القطاع الخاص… في الوقت الذي نعمل فيه على أن يكون القانون هو السلطة الأولى في بلداننا، لتحجيم الحاجة إلى الحل الديني أو العشائري فهذه القوى البديلة للقانون تساهم في توسعة الهوة لا ردمها، لابد أن تنحسر سلطات رجال الدين ليمارسونها وفقما يشاءون لكن داخل الجوامع فحسب، بما لا يؤثر على تعايش القطاعات المختلفة من الناس بتباين طوائفهم ودياناتهم ومعتقداتهم.. وليكن لكل فرد الحق في أن يقتنع بما يشاء ويؤمن بما يريد شرط أن لا يحوله إلى قانون مدني يفترض تطبيقه على الجميع، وهذا هو معنى العلمانية في الواقع..

لا تعليقات

اترك رد