صباحٌ أخيرٌ لقاطفةِ الأغنيات


 
لوحة للفنان علي رضا سعيد

1_
صباح.. قديمٌ…
يمرُّ بحقلي ..فتُشرقُ في الرّوحِ نخلةْ
صباحٌ أخيرٌ تناثرَ منّي
و قبل انفلاتِ الضّياءِ من الذّاكرةِ
أحاولُ لَمَّ الشّموسَ بكفّي
لئلا يضيقَ بها الكونُ
وتفلتُ مثل ارتعاشي و شوقي
سماءٌ تمورُ..
فتمسحُ خدَّ الصّباحِ القديم
تمشّطُ شَعراً تهدّلَ بين المنافي..
و تنثرُ غيماً على جرحِهِا
سماءٌ تعرّتْ من الدّمعِ وأبكتْ عيونَ النّهارِ على المدنِ الهاربةْ
تحاولُ أن تسكتَ الجوعَ فيها ببعضِ البريق
و ” يشماغُهُ “
مثل جرحٍ أصيلٍ بكفِّ السّماءِ
كلوحِ تعلّقُهُ الأحجياتُ على حائطِ في ضميرِ المكانِ
سيتلو علينا تراتيلَهُ
و أنثاه قاطفةُ الأغنيات
تكشّفُ وجهاً تخبّأَ بين ندوبِ الصّباح
و تغسلُ أشواقَها من ذنوبِهِ

2_
قريباً سيشتاقنا الطّالعون من الأغنيات
سُكارى
يجرّون خلفَ القصيدةِ أكفانَهم
ولا يسأمون نشيدَ المجاذيبِ عند المغيبِ
ولا يسألون عن الموتِ …..
كيف ؟..و ممّ ؟.. إلى مَ ؟..
يطيرُ إليهم بلا أجنحة……..
قريباً من الموتِ
سأينعُ بين ضلوعِكَ
أبذرُ مائي الذّي أطعمتْهُ البلادُ حصاها
لعلّ المسافةَ بين الغيابِ و بيني تصيرُ بلا ذاكرةْ
أنا أعلمُ الآن أنّك نهري الذي أجهضتْهُ المدينةُ
وأنّكَ قبل الرّحيل إليّ دفنتَ التّرابَ الشّهيدَ بروحِكَ
و عمّدتَ صيفَكَ ..عمرَكَ.. كلَّ الفصول بموجٍ ضريرٍ
أنا أعلمُ الآن حقَّ الغيابِ عليك
وصوتُ الترابِ القتيل يرنُّ كطعنة

3_
صباحٌ غريبٌ كدمعةْ
يشدّ المدينةَ من ظلِّها و يسكبُ شوقَ المرايا بجدبِهْ
نهارٌ يمرُّ فيلقي به السّائرون العطاشى قرنفلة في بياض المساء..
و ذئبٌ يجوعُ يمزّقُ ذنبَ النّهارِ ليطعمَ حلمَهْ
سلامٌ على الطيّبين القدامى استطابوا المقامَ بألوانهم
أحبّوا الغيابَ
ولم يسأموا ذلَّهُ
سلامٌ على الذّاهبين إلى صوتِكِ البكرِ
يخافون ريحَ المنافي تدلُّ عليهم و لا يعلمون بأنّ الصّحارى
اشتهتْ ماءها من عيونك
سلامٌ عليها تقدُّ من العشقِ عطرِكْ ..
تمزّقُ غيماً لتنبتَ نهرَكْ

4_
بتلك النّبوءةِ عادتْ
لتقطفَ ماءَ الحياةِ من السّنبلاتِ الجريحة
ومن وحي تلك الرّؤى قد تهافتْ قمحٌ ذبيحٌ على حقلها
و طارتْ خطاها إليه بلا ذاكرة
ستتلو عليه صهيلَ القصائدِ حين تمرُّ بها الأغنياتُ
ستنثرُ دمعَ الصّباحاتِ في دربِهِ
لتينعَ روحُها بين الحصى
بتلك السّماواتِ في كفِّها ..تعودُ إليه
تعيدُ المدينة من ليلها
لتفتحَ بابَ الضّياءِ الأخيرِ بقلبِهْ
هي الآن تسطو على الكلمات
تقولُ :
“أفكّرُ مثلَ العاطلين عن الضّوء
أحاول أن أجمّع في رأسي نزف الصّباحات
الأخيرة
و رأسي شهيدُ المساءات الشّاردة
أمرُّ……………
ألملمُ دمعَ القصائدِ في صوتي
وألقّنُ أطفالَ المدن الهاربة فيَّ
درساً أخيراً بطعمِ البكاء
صدري…………
منفضةٌ لكلّ وصايا الميّتين
و دمي نهرٌ على أهبةِ الشّوق ينتظرُ ماء آخر
قد تصحو غيماتها بغتة
و أنا الميّتة الحيّة
أدورُ وفق بوصلة الطّرق
و أفكّرُ
هل أعتذر لكلّ الذّئاب المزروعة في دربي
عن دمي الذي لوّثته الخطايا
و هل أضمّ إلى عمري بقايا شمس نسيتها مرّة بظلّه
و لكنّ صوتي يضيع في دخان المكان
و كلّ خرائط الضّوء تضيع
و أنا أحاول أن أطير من منفاي
إلى جسد يتناسل فيه الماء و النّهارات”

شارك
المقال السابقهل تغرق مفاوضات سد النهضة في المتاهة الإثيوبية ؟
المقال التالىترامب ليس غبيا يا عرب
شاعرة تونسية   - حاصلة على شهادة جامعية في العلوم القانونية و تعمل مستشار قانوني بشركة خاصة - عضو مؤسس في بيت محمود درويش للشعر في جزيرة جربة حيث تقيم -  كانت مشرفة على الصفحة الثقافية لجريدة عرب بيز الإلكترونية .. - لهامجموعة شعريّة بعنوان "...وللماء ليله أيضا" عن دار المنتدى للثّقافة و الإعلا....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. صور متالقة ومعاني واعدة وخيال جامح …انها بساط ريح ينقلك الى عالم من الحب
    سلم قلمك ايتها الشاعرة الواعدة بقصاىد راعفة بالحي

اترك رد