هل تغرق مفاوضات سد النهضة في المتاهة الإثيوبية ؟

 

يبدو أن مصر أدركت أخيرا أن الوقت حان لإيقاف مفاوضات غير مجدية مع إثيوبيا جول سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على أحد الروافد الرئيسية لنهر النيل والذي تعتقد دولة مصر أن بناء السد سيؤثر على نصيبها من المياه.

بعض المحللين اعتبروا أن إعلان مصر فشل المفاوضات الفنية جاء متأخرا في ظل تحذيرات سابقة من أن إثيوبيا تلعب على عامل الزمن لحين الانتهاء من بناء السد وملئه ليصبح أمرا واقعا.

لكن في المقابل جاءت التصريحات الحكومية لمصر بأنها واثقة من اتخاذ إجراءات ومسارات سياسية بديلة لحماية أمنها المائي، من بينها الضغط الدولي واللجوء إلى التحكيم الدولي.

فشلت المفاوضات في يومي 11 و12 من نوفمبر 2017 بين وزراء المياه في مصر والسودان وإثيوبيا في التوصل لاتفاق بشأن اعتماد التقرير الاستهلالي الخاص بالدراسات الفنية للسد والمقدم من شركة استشارية فرنسية.

تعتبر مصر أن الأمن المائي من العناصر الجوهرية للأمن القومي، بل وصفها الرئيس السيسي في حوار مع جريدة الشرق الأوسط خلال شهر نوفمبر 2017 بعد فشل المفاوضات بأنها مسألة حياة أو موت، خصوصا في ظل تزايد سكاني متنامي في مصر حيث تخطى عدد السكان مائة مليون نسمة وفقا لأحدث إحصاء، حيث قال السيسي التي تعد الأولى بأن مياه مصر التي تستند إلى الحقوق التاريخية واعتبر السيسي أن هذه المياه خلقها الله وليس أحد آخر، وتتدفق منذ آلاف السنين، ولم يوضح السيسي بأن هناك مسار آخر قررت مصر تبنيه.

وطالب السيسي الشعب المصري بترشيد استخدام المياه خصوصا في زراعة محاصيل كثيفة الاستخدام للمياه مثل الأرز بأكثر من الحد المسموح به وفق خطة الدولة، يكون قد تجاوز في حق مياه مصر ومصالح شعبها، حيث تقدر وزارة الموارد المائية والري حجم استهلاك المياه في مصر سنويا بنحو 75 مليار متر مكعب، بينما لا تتجاوز حصيلة مياه النيل والأمطار والمياه الجوفية 60 مليار متر مكعب، ويتم توفير فارق العجز من إعادة تدوير مياه الصرف.

تتركز أزمة سد النهضة حول فترة ملء خزان السد، حيث تطالب مصر بتخفيض السعة التخزينية والمقدرة ب74 مليار متر مكعب من المياه إلى أقل من النصف، لكن أثيوبيا استغلت الوضع السياسي في مصر منذ عام 2011، وهي الفترة التي انطلقت فيها المفاوضات، لذلك رفضت إثيوبيا وقف البناء حتى تنتهي الدراسات الفنية، لكن استمرت إثيوبيا في بناء السد بجانب مفاوضات عبثية حيث اقترب بناء السد من نهايته، وستبدأ مرحلة ملء السد عام 2018 ببني شنجول على بعد 20 كم من الحدود السودانية.

حاولت إثيوبيا استثمار الوضع الذي مرت به مصر بعد أحداث يناير 2011، وحاولت إدخال مصر في متاهات وتأجيل الاجتماعات والتشبث بالرأي، خصوصا وأن أثيوبيا تصر على تحويل مجرى النيل الأزرق أحد الروافد الأساسية لنهر النيل من أجل البدء في تشييد سد النهضة العملاق على نهر النيل بكلفة 4.7 مليار دولار، حيث يأتي القدر الأكبر من مياه نهر النيل بنسبة 80 في المائة من إجمالي الموارد المائية لمصر من النيل الأزرق الذي يهدد حصة مصر التاريخية المقدرة ب55.5 مليار متر مكعب بما يصل لأكثر من 10 في المائة، كما سيؤدي إلى تهديد كمية الكهرباء المولدة من السد العالي جنوب مصر، حيث تعاني مصر في الوقت الحاضر من عجز مائي يقدر ب19 مليار متر مكعب وتعتمد على توفير هذا العجز من موارد بديلة منها البحث عن آبار للمياه الجوفية وهي غير كثيفة وإعادة استخدام مياه الصرف.

ما أضعف موقف مصر فيما أن السودان يرى أن السد يمكن أن يعود عليه بالعديد من المنافع أهمها توريد الكهرباء مما أخرجه ضمنيا من دائرة الصراع لتنحصر بين مصر وإثيوبيا، لذلك تشك مصر في الموقفين الإثيوبي والسوداني بأن السد ليس فقط مخالفا للقانون الدولي أو حق إثيوبيا في التنمية بل إنه منشأ هندسي غير صحيح.

بدأت السودان تغير من لهجتها ووزير خارجيتها إبراهيم غندور الذي قال ربما تخسر مصر نصيب المياه الذي كان يذهب إليها من السودان خارج الاتفاق الموقع في عام 1959، لكنه استدرك في لقاء روسيا اليوم أن هناك اتفاقا بين البلدين بأن المياه دين على مصر، وأضاف ربما يتوقف الدائن عن إعطاء هذا الدين، لكن رد عليه وزير الموارد المائية والري المصري بأنه لا توجد ورقة رسمية أو شبه رسمية تؤكد ما ذهب إليه الوزير السوداني بأن نصيب السودان من مياه النيل الذي لم يتم استخدامه يعتبر

دينا، واعتبر أن المياه الزائدة عن الاستخدام للبلدين بغرض تطهير المجرى المائي من الشوائب.

لكن وفق اتفاقية 1959 التي تم توقيعها، فإن البلدين اقتسما مياه النيل التي تدخل في نطاقها الجغرافي، وذلك في أعقاب البدء في تأسيس السد العالي في منتصف القرن الماضي، والتي قدرت حينها ب84 مليار متر مكعب وتقرر أنه بالإضافة إلى الحقوق التاريخية حينها التي بلغت 48 مليار متر مكعب لمصر و4 مليارات متر مكعب للسودان، تكون نسبة مصر النهائية 55.5 مليار متر مكعب، ويحصل السودان على 18.5 مليار متر مكعب.

لكن الوزير السوداني غندور ألقى باللوم على مصر التي رفضت مشروعات مشتركة في شمال السودان لزراعة القمح، وتطرق كذلك إلى حلايب المتنازع عليها بين السودان ومصر، ويعتبرها أرض سودانية بوقائع التاريخ والجغرافيا، ويعتبر أن السودان لديها مطلب أن تحل بالحوار المباشر مثل جزيرتي تيران وصنافير وإما بالتحكيم الدولي مثل طابا ويعتبر أن الأشقاء في مصر يرفضون الحوار والتحكيم الدولي.

في الجانب المقابل تتهم مصر دولة قطر المناوئ للسياسات المصرية، وان قطر سبب فشل المفاوضات حيث أتت زيارة الرئيس الإثيوبي هيل ماريا دسلين لدولة قطر ووقع اتفاقيات تعاون شملت اتفاق دفاعي، وترى مصر أن دولة قطر تستغل حاجة إثيوبيا لممولين لاستكمال بناء السد في الضغط على مصر، ما يعني أن بناء السد كان لأهداف سياسية تتعلق بإضرار مصر، في إطار تحالف مع قطر يعمل ضد مصر ويحركه التنظيم الدولي لجماعة الإخوان، وسبق أن زار أمير قطر إثيوبيا في إبريل 2017 وأن الدوحة تعمل على ضخ استثمارات كبيرة لتمويل سد النهضة تشمل زراعة مليون و200 ألف فدان في منطقة السد.

كما افتتحت قناة الجزيرة مكتبا إقليميا لها في العاصمة الأثيوبية، ما يعني أن هناك صفقة استثمارية تجارية بين الدوحة وأديس أبابا لإفشال أي حلول تتوصل إليها اللجنة الفنية الثلاثية لسد النهضة، وهي بذلك تريد أن تنتقم من الحصار الذي فرضته مصر مع السعودية ودولة الإمارات والبحرين عليها، وتحريض إثيوبيا والسودان على مصر والضغط على مصر من خلال ورقة المياه واستخدام إثيوبيا والسودان أدوات مستخدمة المال السياسي.

إثيوبيا تتحرك من منطق القوة دون النظر للشواغل المصرية، لكن مازالت مصر دولة قوية ومؤثرة، وبالتأكيد لدى القيادة السياسية سيناريوهات بديلة حبيسة الأدراج، لكن تنتظر القيادة اجتماع الرئيس الإثيوبي مع السيسي في ديسمبر 2017، وقد تتعامل دول الخليج مع إثيوبيا مثلما تعاملت مع دولة قطر، ولكنها تنتظر تحقيق مصالح مشتركة بين جميع الأطراف في المنطقة خصوصا في سوريا واليمن، رغم أن السعودية أعلنت دعمها المطلق لمصر وكان ملف سد النهضة محل نقاش بين سامح شكري وزير خارجية مصر وعادل الجبير وزير خارجية السعودية في الرياض نهاية شهر نوفمبر 2017 أوضحت السعودية أنها تتابع تطورات الملف وتتفهم الشواغر المصرية.

لا تعليقات

اترك رد