العلمانية كمخرج للثورات العربية


 

تعيش مجتمعاتنا العربية وبعد مرور الربيع العربي وما تركه من فوضى سياسية واجتماعية واقتصادية في مجتمعاتنا، في ضياع تاريخي جديد وانسداد حضاري إنساني، جعل من الشعوب العربية عالقة في تحديد أطر تعاملها، سواء مع الأنظمة العربية أو مع بعضها البعض. وهنا علينا أن نتوقف لحظات لتدارس أوجه الفشل في تحقيق الانتقال السلمي الي الديمقراطية التي كانت حلم الشعوب العربية وتطلعها الي بناء أنظمة عربية بديلة عن نظم الإستبداد والقمع القائمة. فبعد قيام الثورات العربية، لابد لنا أن نعرف مواطن الخلل في العقل العربي حتى نستطيع أن نجزم تقريبا بأن الحل ذاك وذاك. تاريخيا، كانت الشعوب العربية مقيمة وراكدة في أزمة حضارية منذ القرن الخامس عشر، بل ويجزم المؤرخون أن الحضارة العربية الإسلامية قد توقفت عن الإبداع مع حلول القرن الثاني عشر مع توقف الإجتهاد وفرض النقل على العقل. فهل من المعقول أن نتمادى في رد التخلف الثقافي والعلمي والاقتصادي إلى الغرب أو مؤامرة اليهود والنصارى؟ ألا يسبق دائما الانحطاط والسكون في المجتمع كي تصبح المجتمعات مستعمرة؟ ألم تكن معظم المجتمعات العربية في حالة يرثى لها من الوهن في بداية القرن التاسع عشر؟. هنا، علينا في البداية أن نعترف بقسوة تخلفنا وتردي سلوكنا ومفاهيمنا وقيمنا عن اللحاق بالحضارة والعلم والإنسانية. فالخطاب العربي لا يجد الكثير من الخيارات فهو يفتقد الوعي اللازم لفهم مرحلته وكذلك لوضع الأهداف لتصحيح المسار.. فلا يجد العقل العربي، بعد فشل حاضره وتفوق اسرائيل والغرب، إِلا أن يرتد الى الوراء أكثر فأكثر ولا يدرك أنه في النهاية لن يجد خلفه إِلا الجدار، جدار الجاهلية والتخلف والبدائية وهو ما وقع فيه بالفعل دون أن يشعر بأن الحداثة التي يدعيها ماهي إلا ديكور سرعان ما يهتريء مع شدة الأفكار والفلسفات التحررية.

وأمام هذا التراجع أختار العقل العربي خطاب الدين والطائفة والمذهب لتنقسم الشعوب على نفسها كل مرة ؟ بل ونتج من هذا الانقسام أعداء جدد وحروب جديدة

طالت مجتمعاتنا اليوم بشكل أكثر دموية ووحشية حين تم استغلال الدين سياسيا، فخرجت الطائفية والمذهبية لتشكل هوية الشعوب العربية وتقام من أجلها الحروب وهو ما نشاهده حاليا من تحول مجتمعاتنا الي صراعات على الهوية المذهبية، إن كان في العراق أو سوريا واليمن وليبيا والحبل على الجرار.

وفي المستقبل المنظور لا يبدو هناك أي أمل أو تفاؤل يمكن أن ننطلق منه لبناء مجتمعات حديثة. فالصيرورة التاريخية الطبيعية تشير الي أن تشكيل الدول الحديثة لا يكون إلا بعد مواجهات وصدامات يتمخض عنها وعي جديد مختلف، وهذا هو ما أراهن عليه في أيامنا هذه بعد وصولنا الي دوامات من القتل والذبح والكراهية على أسس دينية ومذهبية وهو نفس المخاض التى مرت به الشعوب الغربية آبان ثوراتها ضد الكنسية والهيمنة الدينية. إن التحرر من الوثوقيات الدوغمائية هو المنطلق الأول لأن يكون العقل العربي حرا من القيود، فلن نستطيع بناء ثقافة جديدة دون أن نلغي الثقافة الدينية المتطرفة من التعامل مع المستجدات التاريخية، وتحييدها عن التعليم لما تمارسه من غرس لتابوهات القداسة والجمود والتشرنق المذهبي. فإذا كانت شروط النهضة تحتاج لبدايات معرفية وفلسفية، فإن تحصيلها لا يكون بتأثيمها وتحريمها، بل بتعليمها وتعلمها، بالنقد، بالتفكير، بالمحاولة الفلسفية. وهذه التربية الفكرية الجديدة هي التي تعلمنا من جديد النظر والفكر، القراءة والكتابة، الحياة والموت…وهنا تتضح رهانات التقدم باعتبارها أمل المستقبل.

ولعل العلمانية في رؤيتها الشمولية للإنسان والمجتمع هي الخلاص الحقيقي لمخاض المجتمعات العربية بعد فشل التيارات الإسلامية في تنفيذ وتحقيق جنتها على الأرض، فلم يسفر الخطاب الإسلامي الموروث إلا عن تزايد الحروب وتفريخ تيارات الجهاد والعنف. ولما كان غرض العلمانية هو تكوين إنسان حر قادر على الاختيار واتخاذ القرار دون تسلط ولا إكراه، بل استنادا إلى العقل النقدي، فان الفكر الديني التقليدي من جهة أخرى هو الذي أصل مفاهيم الطاعة والخضوع والإستسلام، ورفض كل ما من شأنه الإعتراض على الحاكم أو السلطة الدينية، وبالتالي خلق

شعوبا ومجتمعات اتكالية ضعيفة غير قادرة على رؤية حاضرها فضلا عن مستقبلها. وإذا كانت التيارات الدينية تقول أن الحل هناك في الخلف حيث يقبع النص الديني بفهمه الأول، تمارس العلمانية إطلاق طاقات العقل البشري وتكوين الظروف الملائمة للإبداع والتفكير للتوصل الي افضل الحلول وفقا لمهارات الإنسان ومصالحه الآنية، وهذا لا يتعارض أبدا من كون الدين، أي دين هو عبادة خاصة شخصية تمارس وفقا لطقوسها في دور العبادة فقط. إننا اليوم بأشد الحاجة الي استنباط الحلول لواقعنا المؤلم من الإرض، من الإنسان الذي يعيش مع أخيه الإنسان ويتعامل معه، ولسنا بحاجة الي حلول الفقهاء ورجال الدين التى جاءت وفق زمانها ومنظورها التاريخي المختلف حوله والتي أصبحت بعد التفسير والتأويل مذاهب وأديان تتصارع على تمكين نفسها وإقصاء الآخر المختلف.

إن معرفة سبب الخوف من تطبيق العلمانية في مجتمعاتنا العربية، غالبا لا يأتي من عامة الشعب، وإن كان بعضهم الكثير مغسول الدماغ بسبب التأثير الديني، بل يأتي الخوف من العلمانية بالمقام الأول من السلطة الدينية التى تعلم تمام العلم أن بهرجة السلطة والمال والحكم ستختفي لا محالة حال تطبيق العلمانية، ولهذا فإن شروط تطبيق العلمانية يتطلب أولا مواجهة السلطة الدينية، وبالتأكيد أنها مواجهة مكلفة وتؤدي الي عواقب وخيمة وقد أدت بالفعل الي ذلك في مجتمعاتنا العربية ووصلت المواجهة الي حد التصفيات والإعتقالات وحتى القتل والنفي لبعض المفكرين والمدافعين عن العلمانية.

إن الخطر، إذا لم يتم مواجهته والناشيء من الخوف من مواجهة السلطة الدينية سوف يكون أشد خطورة، وسوف ندفع الثمن جميعنا يوما ما اذا لم نتدارك ونفصل الدين عن الدولة وإعادة المدنية الي مجتمعاتنا مع الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية كتاريخ وثقافة يتم اعتبارهما مرحلة ندرسها، نعلمها للأجيال، ننهل من تعاليمها، أدب وفكر ومعرفة. إن الشعوب العربية مازالت تخشي الثورة المدنية، مازالت ترى في الحلال والحرام منهج حياة وتدبير يومي، ولم يكن هذا الشعور طاغيا إلا بعد أن تمكنت التيارات الإسلامية وربيبتها المذهبية من السيطرة على الأنظمة العربية ومداهنتها وتخصيص فتاوي السلطة وبقاء الحاكم مدى الحياة مقابل إطلاق يدها في مجتمعاتنا ليمارسوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقمع المرأة والحريات والرأي حتى اختفت الحياة في داخلنا وفي مجتمعاتنا وحل البؤس والدمار بديلا.

لا تعليقات

اترك رد