حين ينسى الدّيك معنى الصّباح


 

مات الزعماء… سقطت تماثيلهم وبالأسود كفّناهم… ذهب. توقف أمام البحر… رآه ينزع ملابسه الداخلية… لم يكتف بشمّ هواءه بل شرب من ماءه و دماءه…عاد منتشيا فتح مذياع سيّارته… يستمع إلى أغنية للفنان للراحل وديع الصافي ومطلعها «يا اِبني أرضك وبلادك أعطيها”

عادت به الذاكرة إلى رجل صادق عليه… تذكّر وخامره تساؤل: ماذا سأعطيها؟ ماذا بقي أن نعطيها؟

بلادي عروس تداولوا على اِغْتصابها… بلادي كنوادي قمار. الجميع فيها يستمتع باللعب أو بالفرجة إلاّ من يدفع ويدفع… ماذا سنُعْطيها؟

و هي لم تترك لنا شيئا بل أخذت كل شيء منّا… قوتنا…دمنا…شرفنا…أحلامنا…أوهامنا… أبناءنا وأجدادنا… زغاريدنا وأناشيدنا الوطنية حناجرنا وأصواتنا… ماذا تبقّى لكي نعطيها؟

بلادنا تستصرخنا وقد سقّينا أرضها جهلا وسفحنا دمها غدرا وعشنا فوقها قهرا…

ماذا سنعطيها؟ وقد كنا صغارا ننام على صوت العرب من القاهرة حين كان للعرب صوت مسموع وكانت أم كلثوم تغني ليلة الجمعة ثوّار…ثوّار نكمّل المشوار لآخر مدى. “أنا الشعب لا يعرف المستحيل” اليوم لم يبق لنا غير الصدّى و غير الهواء و هذا العراء. لقد فقدنا شعور الانتماء.. فأمّتنا العربيّة صارت لا تجتمع إلا في الموت وراء النعش و لا تتقن غير فقه الغياب و المسح على قلوب الشباب و دعاءها لا يستجاب…

صرنا قبائل تغزو قبائل.. كائنات في طريق الإنقراض مهدّدة بالتلاشي ننفعل و لا نفعل…

و أحلامنا يا اِبْنِي لا تكبر…

(فمصر لم تعد أمّ الدنيا و إنما هي مولود هجين من دون أب من جاوز عرفي بين الذئب

و الشاة… و أم القرى باتت لا ترى و الظلم جاوز فينا المدى… و حتى تونس لم تعد خضراء و لم يعد اليمن بل تشرّدت صنعاء و أصبحت دولنا تضيق حولنا حتى صارت أصغر من مفرَق نملة… توافق و تنافق من نواكشوط إلى الدار البيضاء)

و قوّالون يتكاثرون حول زعماء يكتبون لهم خطابات عن فوائد الصّبر و معجزات النّماء.

و إعلاميون بوجوه رقيعة يمارسون في السياسة نكاح الاستمناء و لتصبح وطنيا يكفيك أن تلتحف بعلم بلادك في كل المحافل و تقتفي خطى الزعماء في القدس و كربلاء و أنت تغني نشيد “موطني موطني” و في حفلة زرياب نتدافع حول الباب أمام دولة راعية تكافح الإرهاب. بينما الشعب يهيم على مؤخرته و من صنم إلى صنم تضيق الأرض به في ظل مأساتنا الباقية

و يمشي على الغيوم ليعيد التماثيل المصنوعة من عرق أقواتنا كي نتنفس من أمسنا حاضرا يتنفّس في أيّامنا الخالية.

مازلت يا أبي تقول ” يا ابني بلادك و أرضك أعطيها”

ماذا بقي أن نعطيها؟

أعطيناها مالنا و زغاريدنا و كسوناها من لحومنا فأعطتنا الوسطى من أياديها؟

عذرا يا أبتاه فقد كنت أحلم أن أرث مجتمعا حرّا يحفظ كرامتنا و لكن وا أسفاه فقد أورثناكم جحافل من المفقّرين و أحذيّة أضغناها في الطريق…

لم نتخلّص من أصنام الجاهلية بل عدنا نتمسّح بأفكار بالية ورؤوسا خاوية و قد صار المتبوع تابعا و الزعيم حاميا للدين و الوطن و خادم الحرمين و راعي السّابع و المعمّر و القائد المظفّر…

و الحكمة البالغة أن نرقد كالدجاج فوق سلال البيض و لا نفقس، فنحن صنف بيض فاسد غارق في التفاهات لا يعرف معنى الصّباح و لا يصيح حيّ على الفلاح مادام لا يزال يفكّر بعضوه السّفّاح.

يا أيتها العجوز المغتصبة.. أعيريني مصباحك لأفتش عن وطن في وجوه قيل أنّها منتخبة.

و تستصرخهم فلا تتحّرك فيهم خشبة فأنتم في الأصل شعب منافق متضخّم تائه بين قرطاج

و القصبة… تائه بين بين …. بين دولتين… و بين زمنين… وبين تمثالين.

و أعلنت إذاعة الفنانين المتحدّين في القاهرة أن المطربين العرب بصدد التحضير لمعزوفة

و طنية بعد نجاح أغنية الحلم العربي و الضمير العربي…فجأة…ينقطع البثّ…فاصل غنائي…

و نعود وصوت فيروز يغنّي “سنرجع يوما إلى حيّنا “سألني اِبني عن تعريف الوطن… فأجبت هو كرسي وصنم…

و نشيد يغنّي ليحي و يحي و يحيا الوطن.

مـــيّـــت بـــــــالـــحيـــــــــاة

في اليوم الموافق لـ………..من عام 2030

سيكون حلم ذلك الفتى الطائر أن يصبح رئيسا للبلاد و ينشر الثّقافة و يحارب الفساد

و في العيد الوطني سيخطب عن فوائد الصّبر و أهمّية شرب النبيذ و فوائد تناول صحن من الفول دحر الفلول…ثمّ سنصلّى في جامع عقبة المعمور أو في الأقصى المقبور…

عاد القائد مظفرا إلى أرض الوطن… زار ولايات الوطن و دشّن الصّنم في مدينة تتنفّس من غاز الفحم ثمّ ركب سيّارته الرئاسية و الجموع تصيح له ” بالروح نفديك و بالدّم”

وصمت مواطن مقهور يحمل علم فلسطين ويمزّقه الألم… رأي في حلمه أن يزور طبيب أنف و حنجرة ليشّخص له أعراض المرض و يفسّر له سبب غياب صوته و عن سرّ فقدان حاسّة الشمّ فأنفه لا يتشمّم إلاّ خيانة القول و فجور الجمل.

سيكون حلمه أن يصبح رئيسا للجمهورية حتى يوفّر الدّواء للفقير و يحقّق حلم العاطل في الفوز بمهنة من المهن.

عاد القائد مظفّرا إلى أرض الوطن وقد باعه و قبض الثمن.

قال متحدّثي: ونحن من سيخلّصنا من هذا الهمّ؟

أجبت… لا أحد لا أحد غير ذلك الصّنم.

قال صاحبي هل مات فعلا؟

إذن متى موعد الدّفن؟

لا تعليقات

اترك رد