مسرور


 

الخميس مِن بعد العشاءِ موعدي الدائم معهن في النادي الرياضي الإجتماعي الشهير، حيث يعد لنا النادل طاولة كبيرة حولها العديد من مقاعد الخيزران عليها وسائد مريحة من الجلد؛ تأتي الواحدة تلو الأخري، وعلى المائدة المستديرة تضع كل منهن شيئاً من الحلوى تعده في البيتِ أو تشتريه من البوفيه لزوم الجلسة الحميمية، ولكل منا دورا في المحاسبة على المشروبات عند كل لقاء. تُفضي كل منهن بما يأرقها مِن زوجِها، أو خطيبِها، أو حبيبِها، أو حتى مطلقها، واحداً فقط يقام عليه الحد في الجلسة الخماسية أو السداسية حسب الحضور، الغائب ليس له نائب إلا في المكالمات التليفونية. سناء أحدي المقهورات تدعي الإرستقراطية؛ بالرغم من أنَ طليقها أدخلها النادي بعد زواجهما وعند طلاقها كانت تدخل خلسة من البوابة لتلتقي بشلتها المفضلة. طليقها يتمادى في إغاظتها؛ يجلس دوما على طاولة بجانب طاولتنا وبصحبته فتاة مختلفة في كل مرة. اشطاطت الشلة غضبا لتصرفات هذا المراهق؛ قررنا أن سناء يجب أن ترد له الصفعات. مسرور النادل متضامن معنا في كل الصعاب والمهازل والمكائد التي ندبرها يشترك مكونا ضلعاً من الأضلاع ويداً منفذة لمآربنا الشيطانية أو الخيرية، حسب الخطة أعطت له نوال ظرفاً عندما ذهبت إلى الحمام؛ يعلم مسرر ما سوف يقوم به. تقدم مسرور نحو طاولتنا المقابلة لطاولة صلاح طليق سناء وبصوت عالٍ قال:
_مدام سناء الباشمهندز أحمد بعت لك الظرف دا.
أخذت سناء الظرف الأبيض المنثور على أحد جانبيه وروداًوردية؛ قرأت محتوى الورقة بداخله ثم قالت بصوتٍ عالٍ بحيث يصل صوتها لصلاح المتابع لمسرر منذ ان ذكر اسم سناء:
_إيه الأسلوب الجديد في طلب المقابلات دا.
فترد نوال متاجهلة معرفتها بشئ من اللعبة.
_ ايه الحكاية يا سناء؟
_مهندس أحمد طالب يقبلني، بيلاحقني بالتليفونات مش عارفة أعمل إيه.
جاء دور ليلى لتنظر لصلاح ثم لسناء وتقول بصوتها الجاهوري:
_حبيبتي يمكن غرضه شريف مهو النادي عارف انك اتطلقتي؛ أكيد وصله الكلام.
في هذا اليوم أخذت سناء حقيبتها وقالت إنها سوف تذهب إلى الحمام، طال غيابها ولم تعد، كما اختفى صلاح من أمامنا.
في الخميس التالي كانت الجلسة قد نقص منها أكثر من عضو هام؛ فقد منع صلاح سناء من مجالستنا بعد عودتهما من عند المأذون في الخميس الماضي، ومن قبل سناء سافرت شهيرة إلى زوجها الطبيب في السعوديه بعدما وصلته عدة رسائل من فاعل خير تفيده بأن زوجته في حالة حبٍ مع أحدهم، فشابة مثلها معذورة فبعد شهر العسل ما كان له أن يسافر ويترك زوجة يانعة وجميلة للملل؛ استمع زوج شهيرة للناصح الأمين وأرسل لطلبها لتعيش معه وتهون غربته، ووعدها بعمرة كل شهر وحجة كل عام. ليلى اليوم متعبة وضغطها منخفض تريد أن تأكل شيئا مالحا؛ فطلبنا قطع باتيه بالجبن مع الشاي الساخن، ولم نحرم الأخريات من الزلابية الساخنة بالشيكولاتة. دخلنا إلى القاعة الشتوية الدافئة هربا من برودة ليل نوفمبر المتقلب مع وجه ليلى؛ أثار فضولنا شحوبها، ما أن سألتها عن سر وجهها الذابل حتى انفجرت في البكاءِ خرج الحديث من فمها كسيلٍ جارف:
_الراجل الواطي يعرف عليا واحدة تانية، تصوروا مين مش حتصدقوا.
ردت نوال بانفعال وتعاطف:
_ اهدي بس يا لولو، واحكي من البداية.
تعودنا من ليلى أن تقص خايانات زوجها التاجر المعروف مع العاملات بمحلاته وسط سينفونية نحيبها؛ لكن هذه المرة قد تكون فاصلة في حياتها؛ فقد صارحها بإقدامه على الزواج من إحداهن واستخدامها في إدارة المحلات؛ معتقدا أنه بذلك يسيطر على كل شئ من خلال زوجته الجديدة ويتفرغ لنزواتهالقادمة.
هدأتُ من روعِ ليلى وأخبرتها بأن لا تقلق فخطة الحلِ أبرمجها في مخيلتي وأحبكها جيداً فقد تعطيني بعض المعلومات عن الفتاة والباقي أعرفه. حاولت مع باقي الشلة أن يعرفن بعض خيوط خطتي، ولم يفلحن… أخذت أقل من أسبوع في تنفيذها وبانت بوادر النجاح حينما جاءت ليلى يوم الخميس لتشكرني وتسألني ماذا فعلت لكي تترك الفتاة العمل وتبعد عن المحلات وعن زوجها، لم أخبرها أنني استخدمت مسرور في الإتصال بالفتاه ليهددها بأنها مصورة صوت وصورة في أوضاع مخلة مع رب عملها ويبتزها بعرض سوءتها في فيلم إباحي على اليوتيوب؛ ينتظر منها مبلغاً كبيراً لمنع الكارثة عنها؛ الفتاة بدورها استنجدت بوزوج المستقبل؛ لم تلق منه غير السباب والخوف من الفضيحة على سمعته كتاجر معتقداً أنها تساومه لأخذ مالا يفوق ما سيمهرها به؛ أعطاها بعض المال على ألا يرى وجهها مرة أخرى. أما مسرور فقد أصابته نعمة كبيرة جراء خطتي المتواضعة.
شلتنا المتماسكة تعرف كيف تحافظ على أفرادها وسعادتهم، فقد استخدمت نوال مسرور في طلاق ميمي المشتكية دوما من زوجها المدمن للحشيش المعتدي عليها بالضرب والإهانات لإبتزازها، ميمي بنت الأكابر تزوجت من ابن الفقراء الطموح بعد قصة حب حاولت من أجله الإنتحار وسط غضب أهلها وطمعه في نسب ميمي الغنية المسكينة. لم ترض الشلة على هذا الوضع؛ فمسرر يعرف بلطجية من النساء والرجال من يصلح لتلك المهام البسيطة. نوال نفسها تخلصت من ضرتها بنفس الوسيلة.
تحسدني الشلة على هدوئي ورجاحة عقلي وحريتي؛ أرملة الوحيدة وسطهن لا تحمل للدنيا هما، غنية، جميلة، يتودد لها الخطاب؛ تتمنع وتختار على مهل. يتهمنوني بأنني الوحيدة التي لم تستخدم مسرور في حياتها مثلهن؛ أجاوبهن في سري: أيها الأغبياء فكيف طارت رقبة المرحم؟!!

لا تعليقات

اترك رد