وعد ترامب


 

القرار الترامبي لم يكن مفاجئا بالنظر إلى الخنوع الذي وصل إليه العرب خاصة مُلوكنا، الذين استقبلوه بأعناقهم، وليس بالورد كسابقيهم، ودفعوا الجزية وهم صاغرين، ذهبا وبترولا ودولارا.

هذا القرار، الذي وعد به ترامب في حملته الانتخابية والذي ظل حبيس أدراج السياسة الأمريكية لأكثر من عقدين، مع بداية بوادر تقسيم الدولتين، هو إعلان حرب، و تخندق واضح في صف الدولة الصهيونية المستعمرة، والسالبة للحق الفلسطيني، وضرب لكل القرارات الدولية عرض الحائط، ولم تبقى سياسة الولايات المتحدة سياسة مؤامرة وسياسة موالاة كما كانت، وهو كذلك صفعة واضحة لما بقي من نخوة الحكام العرب الذين ظنوا، في بذل العطاء لأمريكا والمشي في صفها قد ينصف قضايانا، وهو درس يجب أن يقفوا عنده ليعلموا أن إعلان ترامب أن القدس عاصمة إسرائيل، إنهاء لأمريكا في دورها أن تكون وسيطا لحل القضية الفلسطينية فهي في الحقيقة طرفا فيها، وعد بلفور جديد في ذكراه المائة، قد يحققه في وجود دول عربية تتنافس وتبذل من أجل خدمة المشاريع الأمريكية- الصهيونية التي باتت ظاهرة لكل العيان وأظهرت معها ولاء جل ملوك وحكام الدول العربية وسيرها في خندق الولايات المتحدة حفاظا على ملكهم وسلطانهم خاصة في ظل موجة الربيع العربي الذي خططوا له ونفذوه في بعض الدول وأنهي حكم بعضهم.

انكشاف الوجه المهادن والمبايع لأمريكا تمثل في ردود فعل تكاد تكون لاشيء في عرف السياسة الدولية فالدول العربية عبرت عن رأيها بالقلق، الاستنكار، والشجب، وكانت الدول غير العربية أكثر جرأة لإبداء مواقفها الواضحة من تصرف اعتبروه منافيا للقانون الدولي وواصفون إياه بالمتهور.

وجاءت حوارات بعض الشخصيات على الشاشات العربية مؤلمة كذلك فاعتبرت الرئيس الأمريكي لا يمثل شعبه، كأن الشعب الأمريكي سيقف في صف الفلسطينيين ضد رئيسه وهو طرح اعتباطي يجنب المآل الحقيقي للأحداث، كما خاض البعض الآخر في شخص ترامب، كونه لا يعرف من السياسة شيء، لكنه أصدق منهم فلولا سياسة التطبيع والنفاق السياسي الذي تعيشه الدول العربية ما وصلنا إلى هذا الحد من الهوان.

ربما تكون خطوة ترامب بداية لزوال ملك بعض الحكام الذين يعادون إسرائيل نهارا ويأتمرون بأوامرها ليلا، ومن ينادون بصفقة العصر للتطبيع مع إسرائيل وتبديد أحلام المسلمين وتضييع أول القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، فما إن تشتد الأزمات حتى تأتي بحلولها، سُنّة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا، أما عن القدس فلن تكون إلاّ عربية سواء قال عكسها ترامب أم سلم بذلك، ولن يمر هذا القرار دون أن يجعل من هذا التحدي لمشاعر المسلمين إرادة جديدة وبداية لنفس جديد لنضال عربي إسلامي وعودة فلسطين إلى أصحابها.

رّب ضارة نافعة، فلن يكون لوعد ترامب ما كان لوعد بلفور فرّدة الفعل على هذا القرار قد تكون معاكسة لما خطط له، وقد يكون بداية لنهضة عربية تزيل الطغيان والهيمنة الصهيونية على حكامنا وذلك ما نلتمسه في وقوف المسلمين في أنحاء العالم ضد هذا القرار.

لا تعليقات

اترك رد