حكاية أبو عبد

 

إنها حكاية من نسج خيالي و لا تمت للواقع، و أي تشابه بالأسماء فهذه محض صدفة.

يحكى أن في أحد أسواق بغداد، كان هناك تاجر يدعى بأبو عبد، و كان يتاجر بالقماش و كان هو أحد أكبر تجار القماش في السوق لأن بضاعته كانت جيدة و متنوعة و لديه مخزن كبير فيه اجدد الأنواع الموجودة في السوق.
كان لأبو عبد زبائن دائمين من اصحاب المحلات الصغيرة و جيش كبير من النساء اللواتي يشترين منه اقمشة تخاط إلى كل أنواع الثياب الجميلة.

و كان لأبو عبد اصدقاء كثر من المتملقين و آخرين من المستفيدين و قلة من الاصدقاء الخلص الذين لا يعملون أصلا في مجال الأقمشة.

و كان لأبو عبد بيوت كثيرة في كل مدن العراق و التي كانت كلها مطلة اما على دجلة أو الفرات.

أبو عبد كان لديه ايضا عائلة كبيرة، أولاد و بنات و حتى زوجات عدة و اخرهن احلاهن.

من دون كلام كثير كان أبو عبد هو شاه بندر تجار بغداد الذي يحكى عنه في الاساطير.

و في احد الأيام توفي الاسكافي المجاور لدكانه الكبير في السوق و الذي كان يدعى بطرس ابو يوحنا. طبعا أدى ابو عبد المسلم واجبه في العزاء لجاره المسيحي و ربت على رؤوس أبناءه الصغار و قال لابنه الكبير يوحنا بأنه عمه و سنده. و لم يتوانا عن إعطائه خيار بيع الدكان إن رغب الاخر في ذلك، فلم يعهد أن يرى يوحنا في دكان والده، و لم يظن أنه يصلح لأي مهنة، لأن يوحنا كان شاب وسيم و مرتب الشكل و ليس وجه لكي يصلح الأحذية البالية. و بكل أسى تشكره يوحنا على الواجب و لم يقل شيئ عن العرض.

و مرة الأيام و الدكان مقفل، إلى أن جاء يوم ربيعي، ليجد ابو عبد أن دكان جاره مفتوح، و يوحنا يغير في ديكوره و هو منهمك في عمله.
حياه أبو عبد و سأله ماذا يفعل، فرد يوحنا التحية و قال بأنه سوف يعمل بصنعته في الدكان، فتمنى أبو عبد له التوفيق و لم يهتم للشاب.

و لم يمر أقل من اسبوع إلا وقد أفتتح يوحنا محل خياطة!
طبعا ابو عبد استغرب، و امتعض لسبب مبهم. طبعا يوحنا لم يكن دكانه يتقاطر عليه الزبائن، و لكن يوحنا لم يكن يجلس أمام الدكان و يشرب الشاي و يدخن السجائر، و لكنه كان منهمكا إما امام مكنة الخياطة او طاولة التخطيط. و لم يفهم احد بما هو منهمك، فهم لا يرون زبائن كثر. و لكن بعد عدة أيام جائت جلبة في السوق، حيث موكب السفير الأمريكي و زوجته و بنته اتو الى السوق. طبعا كانت زيارتهم فلكلورية، فهم لم يكونوا ليشتروا بضائع السوق العراقي، و لكن الموكب توقف اخيرا عند دكان يوحنا، لأن بنت السفير رأت فستان مصمم بشكل عصري و لذا دخل الموكب الى ذلك الدكان الضيق و لم يخرجوا إلا و قد اشتروا الفستان و أيضا حجزوا عمل فساتين أخرى يخيطها و يصممها يوحنا الخياط.

و كأنما كانت رجلهم خضراء على دكانه، إذ لم يفوت يوم إلا و قد انتشر خبر الخياط الماهر كالنار في الهشيم، و سرعان ما أصبح الدكان مزار للنساء من شتى الطبقات و الاصناف و بالخصوص نساء اصحاب الدكاكين الذين كانوا أول من نشر الخبر. أما ابو عبد فبدأ يلاحظ تأثير تلك الحركة على دخله للمحل.
ففي البدأ ازداد الطلب على اقمشته، فالسيدة التي تريد فستانا، تدخل الى محل خياطة يوحنا لتأتي بعدها الى دكان ابو عبد. لكن مع مرور الأيام، صارت النساء لا تهتم للمعاملة الحسنة من ابو عبد، فهو تاجر قماش لا يقدم و لا يؤخر، إن الفنان الحقيقي هو يوحنا.

و لم يمظي عام، إلا ومحل آخر تحول الى ورشة خياطة، يديرها خياط شاب إسمه مسعود الكردي. و بعده اتى حسنين الشيعي و لم يعد احد يستغرب من افتتاح ورشة خياطة جديدة تلو الأخرى. على كل حال فقد تحول السوق تدريجيا من سوق اقمشة إلى سوق أزياء يعمل الخياطون بجهد لإنتاج اجمل التصاميم. أما ابو عبد فبدأ يجلس خارج محله ليشرب الشاي و يدخن السجائر و ينظر إلى حركة السوق و الزبائن الذين يدخلون إلى كل المحلات ما عدى محله، الذي اصبح خاوي من الزبائن و الذي تحول تدريجيا إلى مورد للاقمشة لبعض ورش الخياطة و الذين اصبحوا اكثر قسوة عليه بالسعر حتى تضائل ربحه إلى درجة أنه تقهقر و كسر ظهره، و لم يعد ذلك الشخص المرموق.
لماذا آل به المطاف إلى هنا؟ سؤال حاول بكل يأس أن يجيب عليه، و بدأ بتعليل ما الت إليه الأمور لنظريات مؤمارة و رمي اللوم عل الآخرين ابتدائا بجاره المسيحي، ثم الكردي ثم المسلم الشيعي ثم و ثم.

و لا يزال ابو عبد يجلس امام محله و ملؤه الحسرة.

و هكذا نحن العرب، يمضي الوقت علينا و الدنيا بأسرها تتطور، اما نحن نقف في مكاننا من دون تطور، و نندب حظنا العثر و بدل البحث عن سبل النجاح، نبحث عن تبريرات للفشل.

نعم يمكننا أن نرى إلى العالم بشكل عدائي فقط لأننا ننظر من زاوية المتقاعس و الغير قادر على الإنتاج. من هذه الزاوية، لا نستطيع إلا تبرير الوضع من خلال التصديق بنظرية المؤامرة.

ولكن اذا قلبنا الصور لننظر الى انفسنا، نجد باننا نحن هم المتقاعسون في الإنتاج و الإبداع، فلا عجب أن يظهر المنافسون من كل مكان ليأخذوا مكانهم بالحياة عن طريق ازاحة الشعوب المتقاعسة مثلنا مثلا.

ما اود أن اوصله من فكرة في هذا المقال، هو أننا كعرب متقاعسن عن التطور و الإبداع، و ذلك يؤدي بشكل حتمي الى التأخر عن باقي الشعوب، فهنا لا مجال لنظرياة المؤامرة إنما الحقائق و القوانين الطبيعية هي التي تحكم.

لا تعليقات

اترك رد