الفلسفة والعلوم الطبيعية


 

كانت الفلسفة في العصور القديمة والوسطى تشمل كل المعارف والعلوم مثل علوم الطبيعة والطب واللغة والتاريخ وغيرها ، وكان الفيلسوف دائرة معارف عصره مثل ارسطو وارخميدس والكندي والفارابي وأبن سينا وأبن رشد ودافنشي وغيرهم .
لقد قدم الفلاسفة القدماء عدداً من الآراء العبقرية عن فلسفة الطبيعة والتي كان لها تأثير كبير على تطور العلم والتي اثبت العلم الحديث صحتها ، والتي لا تعدو التأملات والتخمينات التي لم تستند الى الفحص التجريبي والدراسة المفصلة للظواهر الطبيعية الجزئية .
بعد قيام النهضة الاوربية والثورة الصناعية التي اجتاحت أوربا ، كانت هنالك حاجة الى العلم والتكنولوجيا التي تواكب العصر لتطوير الانتاج الصناعي فأدى ذلك الى ظهور وتنوعالعلوم الاختصاصية التي تعتمد في أبحاثها على التجارب العلمية مما أدى الى انسلاخ العلوم الصرفة عن الفلسفة واستخدام كلٍّ منها طرائق خاصة في البحث .
إن التطور الهائل الذي حصل في العلوم الطبيعية والتكنولوجية وانقسامها الى فروع اختصاصية أضيق ومنذ بداية القرن العشرين والى يومنا هذا لم تلغٍ الفلسفة وانما وضع على عاتقها واجب وضع تفسيرات علمية دقيقة للتحولات الاجتماعية والتكنيكية يكون الدليل للنشاط العلمي والعملي ، لذلك لا يمكن الاستعاضة عن الفلسفة بأي علم اختصاصي اخر .
إن الفلسفة العلمية علم خاص بجانب العلوم الاختصاصية ، فيكون لها مع هذه العلوم هدف مشترك هو معرفة العالم المادي بتعدد اشكاله وتعقيداته وانعكاس ذلك على الفكر الانساني ، والفلسفة تأخذ من العلوم الاختصاصية نتائجها ثم تعمم هذه النتائج لكي تستنتج منها القوانين العامة ، وبذلك فان الفلسفة تزود العلوم الاختصاصية بالقاعدة الفكرية التي تستند اليها النظرة الصحيحة للعالم .
إن واجب الفلسفة اكتشاف القوانين العامة التي تسير عليها الطبيعة والمجتمع والفكر، ويتم ذلك بتعميم اكتشاف العلوم الاختصاصية ، وإن التأمل في الطبيعة والمجتمع او بالاعتماد على الخبرات الشخصية لا يمكن التوصل الى نتائج فلسفية يمكن الركون اليها ، لذلك فان الفلسفة يجب ان تعتمد على العلم في تعميماتها، أي على نتائج العلوم الاختصاصية .
الفلسفة تعنى بالقوانين العامة وتعتمد في بحثها على العلوم الاختصاصية ، فهي لا يمكن أن تحل محل هذه العلوم ولا تقدم حلاً جاهزاً للمسائل التي تدرسها فهذا ليس من اختصاصها ،وليس من واجبها أنْ تكتشف قانوناً رياضياً أو فيزيائياً أو وضع معادلة كيميائية فهذا من واجب العلوم الاختصاصية .
إنَّ التحليل العلمي للمسائل الفلسفية التي تثيرها العلوم الاختصاصية يشكل أهميةً كبيرةًسواء للفلسفة او للعلوم الاختصاصية على حد سواء، فالفلسفة العلمية تساهم في توضيح وتعميق المفاهيم العلمية للعلوم الاختصاصية، وتغني العلوم الطبيعية باكتشافاتها الفلسفية ، وبهذه الوسيلة تبين الفلسفة أنَّ بعض الموضوعات القديمة لم تعد صحيحة ويلزم اعادة صياغتها ، وبذلك يجب أنْ تراعى الصلة بين الفلسفة والعلوم الطبيعية الاختصاصية، فبدون أنْ تستند الفلسفة الى نتائج بحوث العلوم الاختصاصية وانجازاتها تبقى مقولات لا يمكن الركون اليها .
لا يمكن بالتفكير الفلسفي وضع او استنتاج أي نظرية للعلوم الطبيعية الاختصاصية، ولا يحق للفيلسوف أن ينصب نفسه قاضياً يحكم بصحة او خطأ أي من النظريات العلمية للعلوم الاختصاصية ، وانما من واجب الفلسفة تعميم الاكتشافات والنظريات العلمية الجديدة وتحليل الحقائق التي وردت فيها ، لتمتين العلاقة بين الفلسفة وعلوم الطبيعة .
أما في حالة حصول تناقض بين الاكتشافات الجديدة في العلوم الطبيعية والمقولات الفلسفية القديمة والتي لم يعد هنالك تطابق بينهما ، فيجب أنْ تصحح او تعاد صياغتها حتى يحصل تطابق بينهما، أو أنْ تُنبذ إنْ لم يكن ذلك ممكناً ، لأنّ البحث العلمي الاختصاصي هو وحده الذي يقرر صحة النظريات العلمية الاختصاصية .
إن الدور الذي يمكن أنْ تقوم به الفلسفة يتبلور في نقطتين الأولى ممارسة الفلسفة لوظيفتهاالنقدية العلمية (مفاهيم وقوانين ونظريات العلم وما بينها من علاقات) والتي تستند إلى فهمدقيق وعميق للتطورات التي لحقت بالعلم المعاصر.
أما النقطة الثانية فتتعلق بتحليل الفلسفة للنتائج التي يتوصل إليها العلماء في شتى فروعالعلم. ليس من أجل اتخاذها فروضاً تبنى بها مذاهب فلسفية هشة، ولا سلاحاً تحارب بهالمذاهب الفلسفية بعضها بعضاً محتمية بثقة الناس في العلم. بل من أجل التأكيد علىإيجابياتها وتعظيمها، وفي نفس الوقت لفت الانظار والتحذير من مخاطر بعض التطبيقاتالخاطئة التي يمكن أن تدفع بالمجتمع الإنساني إلى هوة سحيقة، وهذا هو الدور الاجتماعيللفلسفة .
إنْ المهام التي تقوم بها الفلسفة العلمية تجاه علوم الطبيعة ثلاث مهمات ترتبط ببعضها ارتباطاً وثيقاً :
1- على الفلسفة توجيه البحث العلمي للعلوم الطبيعية توجيهاً صحيحاً وذلك بتعميم المعارف العلمية الطبيعية الجديدة، ودحض التأملات الفلسفية المعادية للعلم .
2- على الفلسفة أن تساند البحث العلمي بوسائلها الخاصة ، كنقد المفاهيم، واستخلاص التعميمات، واقامة الفرضيات ، كما تساهم الفلسفة بشكل جوهري في تأسيس وحدة العلوم دون تجاهل خصوصيات كل علم على انفراد .
3- للفلسفة وظيفة اجتماعية تعمل كمحفز بناء على السلوك الجيد، فتضع الخبرات الشخصية المكتسبة من التطور الاجتماعي في اطار النظرة العلمية للعالم، وبهذا فإنها تقف ضد الايديولوجيات غير العلمية والاجابة عن المسائل التي يطرحها تطور العلم واستخدامه من قبل المجتمع .
إنَّ تحليل العلاقة بين الفلسفة والعلوم الطبيعية تاريخياً تبين أن جميع المساعي التي بذلت لإظهار فعل الفلسفة على تطور العلم اعتماداً على مبادئها الاساسية قد فشلت، وهذا يصح على فلسفة الطبيعة التأملية، كما يصح على جميع المحاولات التي استهدفت الحكم على صحة النظريات العلمية الطبيعية او المعارف العلمية المفردة بواسطة مبادئ فلسفية .

مصادر البحث :
1- فلسفة العلوم الطبيعية – د. بدوي عبد الفتاح محمد- ط1 – دار المسيرة للنشر والتوزيع- 2011م .
2- مدخل الى فلسفة العلوم – د. محمد عابد الجابري – مركز دراسات الوحدة العربية – ط5 بيروت – 2002م .
3 – فلسفة الفيزياء- د. محمد عبد اللطيف مطلب- الموسوعة الصغيرة العدد2 لسنة 1977م .
4- الفلسفة والفيزياء- الجزء الاول- د . محمد عبد اللطيف مطلب- الموسوعة الصغيرة –العدد 162 لسنة 1985م .

لا تعليقات

اترك رد