الدولة والفتوى – قراءة في لحظة وجودية

 

حددت داعش (تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام )كربلاء والنجف هدفا اساسيا لستراتيجيتها الخاصة بالعراق، في اول بيان لها عقب اعلان ابي بكر البغدادي خليفة في حزيران 2014 في محافظة نينوى، لم يكن هذا الاختيار عبثا، وانما هو استدعاء قاس للشيعة من اجل المنازلة والحرب لا يمكنهم التهرب منه، خصوصا اذا تاكدت جدية وفعلية هذا التهديد !

العتبات هي الاماكن الاشد قدسية عند الشيعة، وتتركز هذه القدسية في النجف حيث مرقد الامام علي والحوزات الشيعية العريقة ومقر المرجعية الدينية العليا للشيعة في العالم، وكربلاء حيث مرقد الامام السبط الشهيد الحسين بن علي الذي يستقطب سنويا ملايين الزوار من مختلف بقاع العالم، حتى عدتها مراكز رصد دولية التجمع الديني الاضخم في العالم.هذه البقعة فعلا هي فاتيكان الشيعة وحاضرتهم الروحية والدينية والثقافية وملهمتهم عبر التاريخ.

تحفظ الذاكرة الشيعية بألمٍ بالغٍ ذكرى تهديم قبور ائمة اهل البيت الحسن بن علي سبط الرسول وعلي بن الحسين زين العابدين ومحمد الباقر وجعفر الصادق اضافة لقبر حمزة سيد الشهداء وعدد من صحابة الرسول والاشراف من ال البيت في منطقة تسمى (بقيع الغرقد) وهي مقبرة تاريخية بالمدينة المنورة عام 1805 – 1926 على ايدي الوهابيين كاقسى لحظة جارحة للضمير الشيعي بعد مقتل الامام الحسين، حتى قال الشيخ محمد جواد البلاغي:
دهاك ثامن شوال بما دهما
فحق للعين إهمال الدموع دما
يوم البقيع لقد جلت مصيبته
وشاركت في شجاها كربلا عظما
وقد سبق ان تعرضت العتبات الدينية في كربلاء والنجف لهجمات مماثلة من قبل اتباع المذهب الوهابي (وهو المذهب الرسمي في المملكة العربية السعودية ودولة قطر، وهو مذهب التنظيمات الجهادية السنية مثل القاعدة والنصرة وتنظيم الدولة الاسلامية (داعش )ففي عام 1802 هجم الوهابيون السلفيون على مدينة كربلاء واستباحوها وقتلوا أعدادا كبيرة من اَهلها واستباحوا مرقد الامام الحسين ونهبوا ما فيه من نفائس ومجوهرات وذهب ومقتنيات وسجاد ثمين وحاولوا قلع الذهب في الجدران ولم يتمكنوا .

ثم توجهوا الى مدينة النجف قاصدين مرقد الامام علي حيث يتشكل الضمير الشيعي وتتبلور الهوية العقائدية، ولكن كان خبر الهجوم على كربلاء قد وصل فاستعد الشيعة وقاتلوا دفاعا عن المرقد والمدينة فلم يتمكن جيش الوهابيين من استباحة النجف .

وقد اعتبر الشيعة تهديم مراقد أئمة البقيع ومحاولة تهديم مراقد الأئمة في كربلاء والنجف بمثابة اعلان الحرب بينهم وبين الوهابيين، كما لم يتردد الوهابيون من اعلان الشيعة مشركين وأنهم ليسوا من الاسلام في شي، واصدروا عددا هائلا من الفتاوى والكتب التي تؤكد كفر الشيعة ووجوب قتلهم واستباحة اموالهم واعراضهم.

في مطلع الألفية الثالثة عمد الوهابيون (تنظيم القاعدة الدولة الاسلامية في بلاد الرافدين )وتحديدا في الشهر الثاني من سنة ٢٠٠٦ لتفجير مرقد الإمامين العسكريين (الامام علي الهادي والامام الحسن العسكري العاشر والحادي عشر في تسلسل أئمة الشيعة الاثني عشر )في مدينة سامراء شمال بغداد الواقعة في محافظة صلاح الدين ذات الغالبية السنية، وقد سبق هذه العملية محاولة استهداف مرقد الامام علي في النجف سقط ضحيتها عشرات المصلين على رأسهم آية الله السيد محمد باقر الحكيم ابرز شخصية دينية عراقية معارضة لصدام، وفي نفس السنة تم استهداف مرقد الامام الحسين بعملية انتحارية راح ضحيتها العشرات من الزوار، مما جعل الشيعة ومرجعيتهم يشعرون انهم امام صراع عقائدي مسلح وعنيف، لا يستهدف هويتهم الدينية فحسب بل يهدد وجودهم وامنهم وتراثهم وجوديا من قبل الوهابيين، في الوقت يعيش الشيعة تحولا تاريخيا كبيرا على الصعيد السياسي، فبغداد الحاضرة العباسية (السنية) تحت سيطرتهم بعد سقوط نظام صدام حسين على يد الأمريكان عام 2003 ، الى جانب دمشق العاصمة الأموية ( السنية )التاريخية ضمن النفوذ الشيعي التام في ظل نظام الأسد العلوي المتحالف مع ايران وحزب الله .
امام هذه الأحداث تشهد المنطقة تنامي النفوذ الإيراني حتى اعتبرت الدول السنية ان هلالا شيعيا تقوده ايران يهدد الأمن القومي للمنطقة العربية .

منذ احداث الحادي عشر من سبتمبر والعمليات الإرهابية التي نفذها جهاديون سنة ينتمون لتنظيم القاعدة، وما عقبها من احتلال أفغانستان والعراق على يد الأمريكان، منذ ذلك التاريخ ومعدلات الكراهية الطائفية في تنامي مخيف ضد الغرب من جهة وكراهية المسلمين فيما بينهم وخصوصا ضد الشيعة، وفي الوقت ذاته هناك مؤشرات على صعود النجم الشيعي في المعادلة الإقليمية والدولية يشي بتواطؤ أمريكي أستفز السنة وحرضهم على تقديم مزيد من التنازلات لخدمة اسرائيل، وتوسع النفوذ الامريكي وتصاعد معدلات العنف والكراهية في المنطقة .

في هذه الاجواء الملبدة والمعقدة اصدر السيستاني فتواه التاريخية بوجوب التطوع للجهاد الدفاعي الكفائي، في صفوف القوات المسلحة العراقية من الجيش والشرطة، لغرض صدّ العدوان الوهابي التكفيري الداعشي عن العراق، وتحرير المدن العراقية المحتلة من الارهابيين، وحماية العتبات المقدسة من عدوان ارهابي وشيك.

بتصوري ان اقتطاع فتوى السيستاني من سياقها التاريخي سيكون له آثار خطيرة جدا على مستقبل التعايش في المنطقة، وسوف يؤدي لتشكيل جيوش عقائدية طائفية تهدد امن واستقرار الدولة، وسيكون له تاثير كبير جدا في شكل الدولة العراقية.

فتوى السيستاني استحضرت تاريخ من التهديد الوجودي ضد الشيعة ومقدساتهم من قبل الوهابية التكفيريين، ولكنها في الوقت نفسه لم تتجاهل الدولة الحاضنة للمكونات في العراق، ولم تضع سياقا مذهبيا بموازات سياقات الدولة ودستورها وقوانينها النافذة، ولم تزاحم الدولة في وظيفتها الدستورية باحتكار العنف وسيادتها على اراضيها، انما جائت فتوى السيستاني في سياق واحد مع سيادة الدولة وتفزدها في فرض الامن والاستقرار، لذلك دعى لوجوب التطوع للدفاع في صفوف القوات المسلحة وذكر تحديدا الجيش والشرطة.

ما حدث، ان ارادة اخرى اشترك فيها رئيس الحكومة السابق السيد نوري المالكي مع الجنرال الايراني قاسم سليماني قائد سرايا القدس في الحرس الثوري الايراني، اقتضت تاسيس (باسيج) او جيش شعبي رديف كما كان في زمن صدام، تبلور في تاسيس ( الحشد الشعبي ) لم يكن سوى غطاء قانونيا لتسليح وتمكين الميليشيات المرتبطة بالحرس الثوري الايراني من الاشتراك بفاعلية في هذه المعركة الوجودية، واليوم بعد انتهاء المعركة، علينا ان نعترف بالدور المحوري الكبير للجنرال سليماني وهذه الميليشيات في حسم المعركة لصالح العراق، رغم الانتهاكات التي رافقت المعركة، لكن ينبغي ان نضعها في سياق طولي مع فتوى السيستاني، لانها سياق اخر لم يتقاطع مع هدف الفتوى في حدود معركة العراقيين مع داعش، لكنها ستكون في عرض الدولة اذا تحولت لمشروع سياسي مسلح.

المقال السابقالقدس شرف المسلمين
المقال التالىغارقون في التخلف والحرب
يث التميمي باحث وكاتب عراقي يعيش في بريطانيا ولد في مدينة الكاظمية على شواطئ بغداد أكمل دراسته في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، تخصص في مجال دراسات الفكر الاسلامي، رئيس المركز العراقي لإدارة التنوع، عضو الجمعية العلمانية العالمية، ناشط مدني وسياسي، لديه عدد من الأبحاث والدراسات واللقاءات التلفزيون....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد