النظرة النقدية لمشاريع التنمية البشرية


 

إن تطوير الذات عبارة عن نظامٍ تنمويّ يرتكز على تحسين مهارات الذات وسلوكياتها عبر مجموعة من العمليات المستمرة والرافدة لشخصية الفرد، والتي تتضمَّن اكتساب المعلومات والمعارف والمهارات والقيم والسلوكيات الدّاعمة للفرد والنَّاظمة لقدراته وإمكاناته، وذلك ليصبح قادراً على تحقيق أهدافه، والتعامل المرن مع المعيقات والعقبات التي قد تواجهه أثناء سعيه في تحقيق ذاته؛ وقد اتفق المفكرون على أن تطوير الذات يندرج ضمن سعي الإنسان ونشاطه واستعداده لتحقيق ذاته، وتحصيل نجاحه، وذلك بُغية الوصول إلى راحته النَّفسية واستشعاره للسعادة في حياته.

تحدثت كتب كثيرة عن التنمية الذاتية، وكيفية تحديد الأهداف وتحقيقها، والتفكير الابداعي وتأهيل المواهب، وتعج الشبكة العنكوبتية ،ومواقع التواصل الاجتماعي وبعض البرامج الإذاعية بتلك المشاريع (أصحابها ومروجوها وروادها )، حتى بدت ظاهرة تكتسح العالم؛ حيث أن هذا التحول الثقافي بدأ من الغرب وتم استيراده عربياً وتعميمه عالمياً، وسأكتفي هنا بدراسة هذه الظاهرة وتفشيها في العالم العربي.

إن التطور التكنولوجي وعصر المعلوماتية الذي طال شتى مجالات الحياة لا سيما الحياة الاقتصادية، سهل عمليات التواصل والتبادل الثقافي بين الأمم، وأدى إلى زحف الأفكار الغربية إلى المجتمعات العربية، أو ما يطلق عليه عالمياً ( اقتصاد التجربة). إذ يتم تسليع الثقافة عبر العالم ، لا شك أن الدول النامية عامة والعربية خاصة هم الأكثر حظاً باستيراد ما ينتجه ويصدره الغرب، وبذا انتقلت لنا مشاريع التنمية البشرية كسلع جاهزة ومعلبة تحاكي تجارب غربية قد لا تنجح في مجتماعتنا من حيث الزمان والمكان.

كيف تم تطبيق التجربة الغربية بالوسائل العربية؟

يقول (هشام المكي) الباحث في شؤون التنمية “على الغالب تكون مشاريع التنمية الذاتية لدى مدريبها العرب من الناحية الروحية ، فالحياة الروحية، والتي كانت دائما شأنا خاصا، يتم الآن برمجتها والحديث عن استثمارها الأقصى كأي مورد اقتصادي آخر، حيث ينظر إليها ضمن عوامل نجاح أي مشروع” .

أي أنه تم تسليع الثقافة الدينية ودمجها في سياق مشاريع التنمية الذاتية،فمن الناحية التجارية إن الحصول على معلومات لتطوير الذات ،عبر الكتب والدورات تضع المتلقي أو الشخص الخاضع للتدريب في وضعية المستهلك في حين أن المدرب أو الخبير هو المنتج أو المستثمر في ذات المستهلك واستغلالها بطريقة مادية،فكثيراً من الاشخاص يدفعون مبالغ طائلة لتحقيق أهداف تتعلق بحياتهم ومستقبلهم ، وقد أثبتت بعض الدراسات بأن أغلبهم لم يحقق نتائج فعلية حقيقية في حياتهم، وهذا يقودهم إلى نوع من اليأس والحزن والإحباط النفسي ، بيد أن معظم المجتمعات العربية تخضع لتقلبات سياسية وبعضها تحت وطأة الحرب ،( لا يمكن أن تحدث التنمية البشرية في مجتمع يعاني أفراده من عدم استقرار في المستوى الأمني والمعيشي، وفي دولة تعاني من التقلب السياسي والاقتصادي)وهذه عوامل قد تسهم في اللاجدوى من مشاريع تطوير الذات والتنمية المستدامة ،ويجعل هذه المشاريع مجرد تحصيل حاصل ،أو حبر على ورق،أي أن ما يقدم في هذه الدورات التي يديرها _عادةً مشاهير التنمية ودعاة الدين وأغلبهم أشخاص حققوا نجاحات وانجازات في حياتهم _ على الأغلب تجارب ذاتية منبثقة من النظرة الفكرية والقدرات الشخصية للمدرب، ولعلها تكون بمثابة طاقة مؤقتة أو آنية لشحن قدرات المتدربين وتعزيز طاقاتهم الذاتية، إذ ستتبدد هذه الطاقة بمرور وقت من عملية التدريب إذا لم يتم التطبيق العملي من قبل المتدريبن، وهذا ما يحدث في دولنا العربية لأسباب يتعرض لها المواطن العربي أنف ذكرها سابقاً.

إن الجنوح للمدرسة الغربية اعتباطاً دون إدراك بأن للغرب رؤيته ونظرياته واطروحاته؛ دون الانتباه أن هناك حلولا لا تناسبنا، وأفكارا قد تصطدم مع رؤيتنا وأفكارنا، كثيرٌ من المدربين والمؤلفين، وهو يجمع التجارب لا ينتبه ويغشى الانبهار عينيه، فلا ينتقي ما يصلح، ويسيء من حيث أراد الفائدة . وفي المقابل هناك بعض الغيورين على دينهم، المحبين لثقافتهم الإسلامية، يهلل عندما يجد ما يتوافق مع فكرة أو أطروحة إسلامية، ويأخذها ويطير بها فرحاً ليؤكد لنفسه وللمتدربين لديه، أن الاسلام هو أصل كل العلوم، وهناك كُثر يجنحون إلى لَيّ أعناق الحقائق، فيضعوا أحاديث شريفة، وآيات كريمة في مواقع ليست مناسبة لها، وهذا أيضا يضر من حيث أردنا الإفادة، إن الاعتدال والانضباط، والتعامل بأفق رحيب متسع هو أفضل السبل .

ومن زاويةٍ أخرى نجد أنه رغم كل التكاليف والمصاريف التي تنفق على هذه المشاريع ظلت الدول العربية تأتي في ذيل القافلة البشرية من الناحية التطويرية وفق تقارير السنوية للمنظمات العالمية.

أصبح من المُلح أن تؤخذ نظرة عميقة في تحليل هذه الظاهرة التي غزت مجتمعاتنا، واستخدامها الاستخدام الأمثل ، فالمدربين هنا بصدد تحدي حقيقي في تخليص تجاربهم الدعوية في تطوير الذات من الشوائب المادية ، وفي تحويل هذه المشروعات إلى خطط شمولية بدراسات تحليلية عميقة تشمل تغيير الفكر العربي، وإمكانات تطويره وتطهيره من اعتبارات تتعلق بالموروث الثقافي، وتحقيق نهضة حقيقية وتنمية بشرية فعلية وجوهرية بعيداً عن تسويق المظاهر المزيفة، وإطلاق الشِعارات المنمقة البعيدة الواقع العربي.

المقال السابقمباغتة التّجلّي يفضي إلى الارتباك اللّغويّ
المقال التالىالقدس لنا
الاسم : هدى عيسى إسماعيل إبراهيم الغول مواليد : 1979 درنة – ليبيا مكان الإقامة : بلدية أم الرزم المؤهل العلمي : بكالوريوس اقتصاد جامعة عمر المختار / درنة عام 2003 التخصص : اقتصاد الوظيفة : معلمة لدى وزارة التربية والتعليم الليبية الخبرات العملية : عملت في الفترة 2014_2004 في تعليم ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد