بين الواقعية الأشتراكية والسوريالية .. للمثلوجيا العراقية عند الفنان ماهود أحمد

 

كمن في ذاكرتي عن ألفنان – ماهود أحمد – منذ أيام تدريسه لنا مادة الإنشاء نهاية السبعينيات. الجانب الأول هو منحنا الحرية في إختيار الصيغة الإنشائية الأدائية للموضوع ألذي يطرحه علينا، عكس بعض الأساتذة ألذين يصرون على الإلتزام بالأداء الواقعي الأكاديمي المقيد لحركة الإختيار والتحرر من المطابقة لمصادر الموضوع، لاسيما بعد إن قطعنا شوطا طويلا لتأدية البورتريتات ومصادر الطبيعة خارج الأطار الأكاديمي.

الجانب الثاني: التشجيع ومنحنا درجات عالية تتناسب مع قدراتنا ألتي نبذلها جهدا، عكس ما سبقه لنفس الدرس من قبل الأستاذ – فرج عبو- ألذي أثار الأمتعاض لدى أغلب الطلبة بمنحه لنا درجات واطئة، حينها أشار ألأستاذ دكتور ماهود أمام إجتماع حول هذا الموضوع، إنني لا أضع قيود وعراقيل تقلل من تشجيع ومعنويات الطلبة، وقال ربما لأنني بعمر شاب مغاير عن غيري في المنهج. وفعلا في وقتها أنا شخصيا وجدت منفذا لبداية التحرر من المقيدات المطابقة للمصادر نحو بدايات الأسلوب ألذي مهدني بالتدريج نحو أسلوبي ألذي سلكته لاحقا ألذي يجمع بين السوريالية والتعبيرية.

الجانب الآخر عندما كنا نمارس التطبيق العملي في الإنشاء، كانت أيدينا تنشغل في العمل وآلات السمع تنشغل بما يقوم بشرحه بشكل موسع وثري بالمعرفة والتمتع حول الأنثروبولوجيا العامة لأساطير التراث وبين الفلكلور المعاصر، على شكل قصص وروايات. كانت تلك المعلومات ترفدنا بميل نحو سعة الآفاق المفتوحة للخيال والتأمل ثم الإضافة إلى مكنوناتنا المخزونة، ثم صبها أو إضافتها نحو مراحل من التطبيق العملي للموضوعات الإنشائية. لذلك نحن نجد في أعماله جانبين من التفسير والتحليل، جانب الطبيعة البنيوية لأسلوبيتة المعروفة، والجانب الآخر هو مصادر تلك الأعمال المتفردة في التشخيص.

حيث تبدو لي أعماله برغم تأثره بالمدارس الروسية التي تخرج منها والتي تقترب إلى الواقعية التعبيرية الأكثر حداثة من الواقعية الإشتراكية ألتي تحاكي الواقع الإجتماعي. برغم ذلك أرى تأثر ألفنان – ماهود أحمد – بالفنان (بول فريد) المولود في بودابست ..هنغاريا أو ربما بشكل توافقي عشوائي بطريقة الإقتراب النفسي والوجداني، بين فنان وآخر, كون مشاعر الناس عموما متقاربة في حياتها الإجتماعية. تبدو لنا لوحات ألفنان – ماهود أحمد – إنها مستوحاة من ملحمة جلجامش والأبراج الفلكية، وقد إحتوت على العديد من الصور والرموز التراثية التي تخاطب مشاعر الآخرين، وهي تعتمد أساساً على التأريخ وأستلهام الحكايات والأساطير وبشكل خاص (ملحمة جلجامش) ألتي تتحدث عن الآلهة، والخير، والشر, والصراع، وموت أنكيدو، والطوفان وسر الخلود بالإضافة إلى العديد من التصورات المرتبطة بالرمز ذو الشخصية المتفوقة آلهة أو ملكاً، أو رموز لأنتصارات وأحداث مهمة، معتمداً في رسمه على الثقافة المعرفية للميثلوجيا ألتي أشرت لها آنفاً، والتي تمنح المخيلة آفاقاً واسعة تجعل من العمل الفني رمزاً يعود بنا إلى الزمان الماضي ألذي هو أساس بنية المجتمع الحالي، تاريخياً ووجوداً زماناً ومكاناً.


محتويات تتضمن فكرة الصراع بين الخير والشر، والضعف والقوة، فكرة عذابات الإنسان وصراعاته المتنوعة ومأساته العديدة.. وهو هنا يسعى بأن يحقق مضمونه الإنساني من خلال (جلجامش)، لذلك أختاره رمزاً للتعبير عن إنتصار حقوق الإنسان من خلال أحتدام الصراعات المتوالية عبر الأزمان. أما الأعمال التي تناولت الأبراج الفلكية فقد حاول الفنان – ماهود أحمد – من خلالها أن يبحث في أعماق الإنسان، كي تترابط الصلة بين النتاج والمستقبل، بين باثات العمل وثيماته المضمونة نحو حيثيات عمق وتفاصيل العمل الفني. وفي الوقت ذاته يحول المشاهد إلى السروح في عالم خيالي مرتبط بمصادره الواقعية المألوفة. وفي أعماله شخوص يحملون في أيديهم من أشياء مدنية خاصة أو تماثيل تراثية يتجهون نحو العودة إلى الريف.

وأعمال تتضمن تقاليد إجتماعية فلكلورية للنساء بطريقة صريحة وجريئة، تجسد ما يتعامل به المجتمع ضمن مراحل زمنية قد يتلاشى بعضها وقد يستمر بعضها الآخر. ولقد أشار الفنان ماهود أحمد قائلا: (بالنسبة لملحمة جلجامش قد لجأت الى الأساطير والملاحم والماضي للبحث عن الخلاص الروحي.. والعودة إلى المنابع الإنسانية الأولى الأصيلة حين كان الرسم على جدران الكهوف وطقوس الصيد والزواج والحب ومحاولة معرفة أسرار الطبيعة). أما في مايخص الأعمال التي تتضمن الأبراج الفلكية، أشار له الفنان ماهود:”أن حكم الأبراج هو حكم التقيد بالأختبار القائم على المعرفة والتقرب من الغيب لرفع الحجب ولمعرفة ما يصيبنا، وإلى أين نذهب؟ وما هو مصيرنا الآن والمستقبل وهذا بالذات يعني التشبث بالحياة وإحترام مبادئها “.


وعن أختيار العنوان البوابات السبع قال الفنان:”عرف أهل بابل الرقم ( 7 )، وكانت الكواكب عندهم ( 7 )، وكل كوكب أصبح له يوم، وكل كوكب يمثل إله، كما هناك السموات السبع، وكذلك قصة المعراج وإختراق الرسول (ص) السماوات السبع.. وكذلك بوابات العالم السبع.. وكانت الزقورة تتكون من سبعة طبقات وهو رقممقدس”. وتسمو في أعماله طابع التشخيص الجريء والحر في حركة الخطوط والألوان وكأنها تجمع بين الواقعية الإشتراكية والسوريالية التعبيرية، الواقعية الإشتراكية عندما يكون التشخيص حقيقي ويمس هموم المجتمع ومشاكله وعاداته وتقاليده الخاصة ألتي تنفرد عن غيره من المجتمعات وبطريقة صائبة ومثيرة.


أما في في مايخص السوريالية التعبيرية فإن المبالغة في تحجيم الأجساد والأشكال الأخرى والحركات السرمدية بما تتضمنه من نطق تعبيري هادف. وبسبب منشأ الفنان – ماهود احمد – في مدينة سومرية أتصف مجتمعها بتقاليد وعادات تمتد لأهل سومر وبابل ولازالت بعض هذه العادات ماثلة الى اليوم كصناعة الطراد (المشحوف) والمضيف والعمامة والعباءة (الصاية) وحتى بعض المفردات اللغوية وغيرها. ولم يقتصر تأثره بثقافة الفكر الأشتراكي من خلال دراسته هناك وإنما نحو المدرسة الفنية الإشتراكية المكسيكية التي بدأت منذ الثورة الشعبية المكسيكية عام 1910 وتأثر بروادها أمثال (ديغو ريفيرا) و(خوسيه كليمنتي) و (دافيد الفارو) و(رافينو تمايو)، إنهم أسماء مهمة أكتسبوا شهرة عالمية من خلال جدارياتهم ذات المفاهيم الإشتراكية خاصة ديغوا ريفيرا وزوجته المشهورة فريدا كاهلو .. ويذكر ان بطل ثورة أكتوبر الزعيم والمفكر الإشتراكي الروسي تروتسكي عاش في بيت ريفيرا فترة من الزمن مختفيا (هاربا من النظام الروسي حتى أغتيل هناك من قبل الإستخبارات الروسية) وقد وصف تروتسكي ريفيرا بأنه الرفيق الوحيد الذي سوف ينشر الإشتراكية بلوحاته .. وكما أشرت آنفا أعمال الفنان – ماهود أحمد – تجمع بين الواقعية الإشتراكية والسوريالية التعبيرية والرمزية بطريقته الخاصة ألتي تتناسب مع تراثه وتفكيره وإختياره المتفرد.

والطريقة التي يتبعها في المبالغة في بنية الأشكال والخروج عن المنظور والنسب فإنها تتناسب مع إيصال الفكرة وتخصص الإسلوب ألذي يعكس هويته. ومن أولى مفردات التشخيص البصري لأعماله هو إستخدام الأجساد وقوة تعبيرها في الضخامة أو جذب الإنتباه في الوقت الذي تقترن مع الرهافة والهدوء والسكينة، لاسيما أجساد النساء بروح قدسية تقاليدها الإجتماعية والذي يمتد إلى قدسية الأجساد لتاريخ الإغريق, شكلالجسد عنصرا ومفردة جمالية رئيسة ماثلة في لوحاته بحس ورهافة وهدوء وسكينة خاصة جسد المرأة التي أحاطها بقدسية ألاهية حيث الوشم الذي يتجلى على جسدها بروح المرأة العراقية الشعبية الأصيلة ..


وكان الغريق قد قدسوا الجسد وعدوه رمزا للآلهه لأنهم يعتقدون أن الجسد ماهو الا صورة مادية ممثلة عن الآلهه، لذلك فإن الأمور ترتبط بمفاهيم وتقاليد أنثروبولوجيا تراثية وبصيغة معاصرة. وللفنان ماهود أحمد – إقتران العمر مع زوجته الأولى الروسية فالنتينا التي أخذت ترفد المجلة والمزمار أيضا برسومها الطفولية منذ أنطلاقتها عام 1969، وما تلاها زوجته ألفنانة من دورتي في الدراسة – الراحلة وسماء حسن الأغا – ألتي تركت أثرا مميزا في أعمالها الفلكلورية ألتي تأثرت بزوجها وأستاذها دكتور – ماهود أحمد .الفنان ماهود أحمد من مواليد العراق ميسان 1940 بالأهوار، تخرج في معهد الفنون الجميلة العام 1961، حصل على شهادة الماجستير والدكتوراه من معهد الدراسات النظرية ومعهد سوريكوف في روسيا ، عضو مؤسس ومدرس في كلية الفنون الجميلة بجامعة صلاح الدين بأربيل، وفي جامعة بغداد، أشرف على 27 رسالة ماجستير ودكتوراه، حصل على درجة الأستاذية (بروفيسور) في عام 1996، كرم كأستاذ أمثل من قبل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وكذلك كأستاذ أقدم من قبل جامعة بغداد، شارك في العديد من المؤتمرات العلمية والثقافية، وكتب العديد من البحوث العلمية والثقافية.

حاز على العديد من الجوائز التقديرية آخرها جائزة مهرجان بغداد العالمي للفنون التشكيلية 2002، شارك في تأسيس (مجلتي) للأطفال 1968، عضو جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، عضو رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين، عضو نقابة الصحفيين العراقيين ونقابة الفنانين التشكيليين العراقيين. كرم من قبل رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين بمناسبة مهرجان القدس عاصمة للثقافة العربية، 2009. أهم أعماله: مجموعة من البحوث الفنية: تربة زمرد خاتون. الواسطي من خلال مخطوطة المزوق. الممنمنمات المندائية في المخطوطات الدينية في العراق. المأمون يحفر في الأهرام. كتاب عن إسماعيل الشيخلي حياته وفنه. كرم من قبل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي (العراق) في يوم القلم.

له مقنيات لأعماله في متاحف العالم. عضو مؤسس كلية الفنون الجميلة \جامعة صلاح الدين (كردستان العراق شارك في العديد من المؤتمرات العلمية وقام بالقاء المحاضرات في مجال اختصاصه في (بغداد – موسكو – براغ – تونس – المغرب). أشهر اعماله العالمية (الفارس الازرق، قارئة البخت، الميت الحي، عودة الرأس، ملحمة كلكامش، العشاء الأخير).عضو نقابة الفنانين العراقيين، عضو في جمعية الفنانين التشكيليين، عضو جماعة الرواد، عضو جماعة بغداد للفن الحديث. له العديد من الكتب المؤلفة في مجال الفنون. كتب العديد من المقالات الفنية والنقدية والشعر.

ساهم بإخراج وأصدار مجلة أسفار الأدبية وشغل منصب سكرتير تحرير لمجلة فن في بغداد. كذلك كتب العديد من البحوث في مجلة آفاق عربية والتراث الشعبي ومجلة الأكاديمي ومجلة الفن. كما ساهم في تأسيس مجلة مجلتي للأطفال. وشارك في مناقشات الرسائل الجامعية والمؤتمرات. حاز على العديد من الشهادات التقديرية كل من (تونس – باريس – موسكو). وفي الفترة الأخيرة أنتقل ماهود أحمد للعمل في جامعة الأردن وأقام مؤخرا معرضا بعنوان “عبور البوابات السبع” الذي تضمن 24 لوحة أكثرها مستوحاة من ملحمة جلجامش والأبراج الفلكية وجميعها تعتمد على أستلهام الأساطير والحكايات الشعبية وأرتباطها بالواقع الذي يعيشه عراق اليوم.

 

المقال السابقمفهوم الجريمة الارهابية
المقال التالىختامه زفت
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد