كارلو هاريتيون: بين رحيلهم.. وبقائنا..!

 
الصدى-كارلو-هاريتيون

البارحة كنت في بيت ولدي علي ،إطـّلعت على تقرير خارق للعادة..! وبعد ان رأيته قلت.. أما أنه مدهش!! ..واما هوجنوني..؟ قالت ( الونا) زوجة أبني بالروسية، وهي تضع القهوة أمامي هامسة: سأريك يا عم شيئا لافكرة لديك عنه..!ياسلام..!ارينا ياألينا ههه..؟!.؟. فتحت الشابة شاشة التلفاز ،وعرضت عبر جهاز الكومبيوتر، تقريرا مصورا بالروسية، عن شاب في الثلاثين من العمر، أو أقل ،واقفا يشرح عند سبورة في قاعة حضرها اناس يستمعون،فيقيم المعادلات الرياضية،ويدون ،ويفاضل بين الأرقام ،ويشير بالطبشورالى سهام ودوائر ،وخطوط ..دون ان افهم شيئا من لغته البته!.. قال ولدي علي مترجماً حديث زوجته.:(انك ترى يا أبي عالما روسيا ،شابا، رشح الآن، لنيل جائزة نوبل ،وشغل الأوساط العلمية في روسيا،وكوفئ بمبلغ يصل الى نصف مليون دولار..!لإنه( إكتشف الروح) فيزياويا..! ياحلاوة..! كيف..!؟(بالضبط ابي.. اكتشف هذا الرجل ان روح الإنسان موجودة حقا وليست وهما..!ولا رياح..! ثم اردف (وليس هذا ما إكتشفه حسب..) صحت ( وهل هذا قليل..!) قال علي..(اجللو عرفت أبي..المفاجاة انه اكتشف شيئا يفوق الخيال..!) زادني الشاب توترا، وادخلني جوا دراميا، سايكولوجيا صاخبا..!فصحت (ماذا ياولد..؟)قال..(لقد اكتشف ( الأنا)..تلك التي نحس الوجود من خلالها ايضا..!صحت(لا هذا شئ كثير..) قال(هو كذلك..كثير جدا..فهو يقول (الأنا تعيش معنا في حياتنا غن مات الجسد،،مادام الزمن حي ..هي حية بحياة الزمن..لذا هي ترحل مع مع الزمن في حركته، مزيجهاالروح!..برغم موت الإنسان البدني..)..لااخفي اني تجمدت..! فأنا مثل الكثيرين.. تساورني الشكوك .. وتنتابني الهواجس والظنون..حول وجودنا من عدمه..وتثار في اعماقي في كل لحظة، تساؤلات لاتنتهي، حول مصير الإنسان بعد موته.. وكغيري من الخلق ،اعتقد ان المخلوق نهايته الذهاب الى العدم..!!وإن لا شئ بعد الممات غيرذلك الصمت المهيب.. لكن هذا العبقري،خربط الغزل كما يبدو..!و لا اعلم من اين خرج الينا، ليقول شيئا عجز عنه حتى ( إينشتاين)!! بذا غدوت بين المصدق، والمكذب ، مبتهجا..!وتسائلت..( احقا اننا سنبقى احياء حتى بعد الممات..؟ وإن ابي، وامي، وولدي واعمامي، واصحابي ، ومعارفي مازالوا أحياء عند ربهم يرزقون..؟ وأحقا إذن ان كارلوهاريتون لم يمت ..؟وانه يقرأني ..ويسمعني.. ويضحك في هلاميته.. فوق راسي الآن..؟! ترى.. ماهذا الذي يجري..؟ وماهو سر الحياة حقا..؟..لقد تركت ولدي وزوجته يترجمان لي التقريرالمصور، ويبسطان معلوماته، ويكثفانها ، كي ابعث به الى العزيزة خيرية المنصور مصورا.. كي تنشره في ( الصدى )لاحقا.. وعدت الى واقع الإشياء..عدت الى ما نحن فيه..ركنت الإفتراضات..والإكتشافات..وعفت التكهنات جانبا..ونظرت الى واقعنا الإجتماعي،الذي يقول إن عزيزا علينا قد رحل الآن..فكارلو صديقي، وجاري، ومعلمي ،ومشاكسي، ومتعبي..وصاحب اعمالي الجميله (حلم على الهامش) ( تمرين عاطفي) ( ايام ضائعة) ( اجنحة الثعالب) ( شئ من القوة) ( زمن الحب..) !..التي بفضله كانت بصمات في تاريخ العراق الفني..ولأنه مخرجا كبيرا كان من ورائها..وهاهو قد تركناالآن ورحل الى ملكوت الله..ترك لنا بقاياه على الأرض ومضى..خلّف جسده للتراب، شأنه شأن الصواريخ العظيمة، التي تمخرسجف الكون..تتخلى عن مخازنها في الطريق.. كي ترجع هابطة الينا..فيما هي لن ترجع ابدا..تنزع اجزائها الثقيله، لتبق كبسولة الحقيقة،ومنظومة الروح وحدها تواصل سيرها ،في سيديمات المجهول الإلهي..!محلقة في عمقه السرمدي اللامتناهي المعبود.. هنا تذكرت قصيدة لي، نشرتها لمرات في صفحاتي، وقدوجدتها الآن تمازج حالة كارلو..كحقيقة روحه السابرة لعمق الوجود..حيث بعض منها يقول :

الف ميل من الزمان أبـحرت بيك..
تهت وإتغربت بس كون الاكـيك..
عطشانه لخبر منك..
أمل هالروح تروى شما يهب طاريك .
موبإيدي زماني إتدولبت بيه.
خلية أمسافرة بماضيك..
إيكول إمتد ؟..بعد حدك….
ما أدري شافسر ظاهرة حبي..؟
يصير أخـــدود من نسيان..؟
لو جايز هالمحــبة قــارة بطـــوفان..؟
أم يمكن تراهُ إشموس منطمسه..
لو دنيا وتــدور أشــلائها ببــركان..
شكثر هالحب غريب..وطلســّم حبك..
* * *
رحت صولة بمجرة مالها حدود
وصرت أسرع من شهاب ودازه المعبود
صرت حبة عصف ريحان مندرسه
يبعثرها فضاء الله.و يذريها…
بس..ماهي إتضيع عند ربك..

المهم.. بقيت الأحزان ملء قلبي ..وقلوب افراد اسرتي خاصة..وبقيت الوحشة والأحزان ملء قلب الطيبة شاكية العزيزة، الذي كان كارلو، ليس زوجها حسب، انما طفلها المدلل!، مع انها تصغره بكثير.. تلك التي اتذكر موائد طعامها، حين كنا نتعشى كعائلة واحدة ، في بيت كارلوا ..ووجها المشرق بالإبتسام ..والتفاؤل دائما.. فقلت لخيرية.. ياام سوزان..؟ امانة عليك ان تخففي عنها؟و أن لاتدعي التفاؤل يفارق وجهها..وان تعيدي لها رونق حياتها..فحياتنا الدنيوية مفروضة علينا..ويجب ان نعيش.. لذا لكل شئ حقه.. ولكل شئ واجبه..ولكل شئ ميزان معلوم..في زمن ومكان معلوم.. لكن مع هذا..يبقى كارلوحيا..فهوفي قلوب اصدقائه،ومحبيه مقيم..وصوره من حولنا..واعماله تحيطنا.. وكلماته ترن مازالت في آذاننا..لقد تحرر كارلو من الحياة الدنيا، الى حياة لاتنتهي ، برغم انه اوجع برحيله،قلوبا حبيبة له..عزيزة عليه.. لكنه موجود كوجود اعماله.. برغم ان الرجل ليعتب من مكانه القريب البعيد ، على بعض من احبهم ،ومنحهم خبرته،ووقته، ومحبته،من فنانيين قصروا حيال غيابه السريع ..وقصرت نقاباتهم..ومؤسساتهم النفعية المهينة.مثلما قصروا بحق عراقهم.واناس هذا العراق..فالعديد مممن ظهروا للساحة، وإشتهروا ، إنما بفضل كارلوقبل اي شئ.. لكن ماباليد حيله (فكل إناء بالذي فيه ينضح)..وشكراعلى عقوقهم!! وشحة عواطفهم..!!فهذي المرجية منهم..!!ولا ادري هل بتماهيم هذاسيخلدون..؟قطعا لا..لكنهم اسفي قد تناسوا واجبهم الأخلاقي .. دعنا من وازعهم الإنساني..؟! فحتى الحيوانات الضارية تتعطف على فرائسها احيانا ،فترضعها من اثدائها.. بدل ان تمضغهابين انيابها طعاما..وتحميها بدل ان تقتلها.. لكن خيبتي بفناني بلدنا، الذين شمّع بصائرهم، زمان شحة القيم ،وخواء الإنسانية،وهبوط معدل والأخلاق..فتناسوا واجبهم.ومن يشح على عراّبه.. يشح على اصحابه.. ويشح على وطنه العزيز..

اعود ثانية فاقول. كارلو بيننا. وسيبقى دائما في وجداننا. مثلما بقيت ارواح اناس عرفناهم قبل قرون ،ومازلوا للآن يعيشون فوق مسارحنا،وشاشاتنا ،ونتنفسهم كل يوم..! كارلو حي..حيث مات الآخرون

لا تعليقات

اترك رد